(فإن قلت: فما أصنع في الأحاديث التي صحت بعد موت إمامي ولم يأخذ بها؟..
فالجواب: ينبغي لك أن تعمل بها ، فإن إمامك إن ظفر بها ، وصحت عنده لربما كان أمرك بها. فإن ، الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة , ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه.
ومن قال: لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي ، فاته خير كثير ، كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب ، وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صيح بعد إمامهم ـ تنفيذا لوصية الأئمة ، فإن اعتقادنا فيهم أنهم إن عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم ، لأخذوا بها ، وعملوا بها ، وتركوا كل قياس كانوا قاسوه ، وكل قول كانوا قالوه.
وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل يقول للإمام أحمد بن حنبل : إذا صح عندكم حديث , فأعلمونا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذاك ، أو قاله غيرنا ، فإنكم أحفظ للحديث ، ونحن أعلم به).
. وقال في الرد على من زعم أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه يقدم القياس على الحديث ما نصه:
(ويحتمل أن الذي أضاف إلى الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على النص ، ظفر بذلك في كلام مقلديه الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم من القياس ويتركون الحديث الذي صح بعد موت الإمام . فالإمام معذور ، وأتباعه غير معذورين. وقولهم: إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث لا ينهض حجة ، لاحتمال أنه لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح عنده .
وقد تقدم قول الأئمة كلهم : إذا صح الحديث فهو مذهبنا . وليس لأحد معه قياس ولا حجة إلا طاعة الله وطاعة رسوله ، بالتسليم له).
ـ وقال ابن عابدين الدمشقي في شرح المنظومة المسماة بعقود رسم المفتى: (صح عن أبي حنيفة أنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي) .