وهنا يحسن أن أذكر حضرتكم بأن التربية أمر يشمل كل المؤثرات في حياة الشخص وأن التعليم وسيلة من وسائل التربية فقط ، ولما كان أهم وسائلها كان مرادفا لها في أذهان كثيرين ، فنحن حينما نقول التربية نقصد بها ذلك المعنى الأعم الذي يشمل التعليم وغيره من وسائلها وقد ذكر الباحثون في حياة الأم أن السر في نشاط الإنجليز وعظمتهم ما اختطوه لأنفسهم من طرق التربية الصحيحة بفضل رجالهم المربين أمثال سبنسر وهكسلي وتشارلس إليوت وغيرهم من القدماء والمحدثين..
وهذا إدمون ديمولان العالم الاجتماعي الفرنسي العظيم يهيب بأمته أن تفكر في سبيل إصلاح التربية معتقدا أن نقص التربية وفسادها هو السبب الأول في كل ما يعرض للأمة من الآلام والأزمات ، وأن في إصلاح التربية وتكميلها علاج كل ذلك وما أبعد نظر ذلك الطبيب الذي ترك الطب واشتغل بأمور التربية ومعالجة مسائلها ، فلما سئل عن ذلك كان جوابه: (وجدت بالاستقراء الدقيق أن معظم أسباب العلل الإنسانية الجسمية والنفسية يرجع إلى نقص في التربية فآثرت أن أستأصل الداء من جذوره باستئصال سببه الأول على أن أقضي الوقت في علاج ما ينجم عن هذا السبب والوقاية خير من العلاج ولا أشك أني بذلك أقوم بخدمة أعظم للإنسانية بقدر ما بين طب الأمم وطب الأفراد).
وقديما قال الإمام الغزالي: (وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم ... والصبي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب).
ومن ذلك أيها السادة ترون أن التبعة الملقاة على عاتق المربين عظيمة إذ أن بيدهم تشكيل نفسية الأمة ورسم حياتها المستقبلة.
غاية التربية التي نرجوها لأمتنا