ـ والأحاديث المتواترة قليلة طبعا لدقة هذا الشرط ، وتعسر توفره ، خصوصا إذا بالغنا في العدد ، وأخذنا بقول من حددوه بالمائة أو بالسبعين أو نحوها . ولهذا أثر عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لم يظفر من المتواتر إلا بسبعة عشر حديثا ، فحرف هذا المعنى بعض المغرضين الذين يريدون أن يهربوا من القول بحجية الحديث ، ووجوب العمل به ، وزعموا أن أبا حنيفة مع جلالة قدره في الفقه لم يجد من الأحاديث الصحيحة إلا سبعة عشر حديثا ، فوضع الصحيح بدلا من المتواتر ، للاستدلال على ما يريدون ، وهو زعم غير صحيح ، وقد نبهنا عليه .
الحديث الآحاد :
وأما حديث الآحاد : فهو ما لم يتوفر فيه شرط التواتر السابق.
وجوب العمل بخبر الآحاد :
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مقدمة مسلم:
(نبه مسلم رحمه الله تعالى على القاعدة العظيمة التي ينبني عليها معظم أحكام الشرع وهى : وجوب العمل بخبر الواحد ، فينبغي الاهتمام بها ، والاعتناء بتحقيقها).
وقد أطنب العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها وإيضاحها , وأفردهما جماعة من السلف بالتصنيف ، واعتنى بها أئمة المحدثين , وأول من بلغنا تصنيفه فيها الإمام الشافعي رحمه الله , وقد تقررت أدلتها النقلية والعقلية في كتب أصول الفقه, ونذكر هنا طرفا فنقول: اختلف العلماء في حكمه :
ـ فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع ، يلزم العمل بها ، ويفيد الظن ، ولا يفيد العلم.
وإبطال قول من قال لا حجة فيه ظاهر:
ـ فلم تزل كتب النبي "صلى الله عليه وسلم" وآحاد رسله يعمل بها ، ويلزمهم النبي "صلى الله عليه وسلم" العمل بذلك.