1 - إن اتهام السلف رضوان الله عليهم بإهمال النظر في المتون جملة غير صحيح ، فكثيرا ما كانوا يعنون بهذه النظرة ، ويردون بعض المرويات لهذا السبب ، ويتخذون من عدم انطباق المتن على قواعد الشرع الجلية دليلا على ضعف إسناده ، وعدم نسبته إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ، ووهم راويه , كما رد ابن عباس حديث أبى هريرة رضى الله عنه: (من حمل جنازة فليتوضأ).
وعلل هذا الرد بقوله : (لا يلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة) , فروح النظر في المتون ، والاستدلال بهاعلى درجة الحديث كانت موجودة إذن.
2 - إن هذا الميزان ميزان اعتباري بحسب العقول والعصور كذلك ، فما نعده نحن اليوم حديث خرافة ، كان يعتبر في بعض العصور الماضية حقيقة من حقائق العلوم والمعارف الرسمية حينذاك.
والشواهد على هذا كثيرة.
وما نعتبره نحن اليوم حقيقة علمية مقررة ، لو ذكر لمن سبقونا لاعتبروا قائله مجنونا ، ولحكموا عليه بالإعدام . وقد فعلوا , وتلك طبيعة التطور العلمي. يوما كنا لنكلف سلفنا فوق ما يطيقون ، وجزاهم الله أفضل الجزاء بما جاهدوا.
أما الأخذ بميزان تمحيص الإسناد ، ومعرفة حال الرواة ، والحكم على درجة الحديث بهذا الاعتبار ، فهو أدق الموازين وأضبطها , لأنه يعتمد على أمور حسية واقعية ، لا يختلف معها النقد الصحيح إلا إذا تدخلت الغايات والأهواء . ومن حسن الحظ أنها لم تتدخل إلا بعد أن تناولت هذا الميزان أطهر النفوس ، وأنقى القلوب ، وأعف الأيدي ، فنفت عنه تحريف الغالين ، وتأويل المبطلين , والحمد لله رب العالمين.