ـ ومن أمثلة التورع في الرواية حتى عن الثقات ما رواه مسلم بعد ذلك عن أبي الزناد عن أبيه قال: (أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أهله).
وإذا رجعت إلى كتب الرجال والعلل والجرح والتعديل أدهشك ما ترى من ذلك .
جودة الحفظ وسرعته ودقته وكثرته :
ولقد اشتهر الكثير من أئمة الحديث بسرعة الحفظ وجودته ، ودقته وكثرته حتى كانوا أعاجيب الدنيا في هذه المعاني.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الذي روي عنة في ذلك الغرائب المدهشة منذ كان غلاما حتى لقي ربه.
ولقد حدث عن نفسه فيما رواه الفريري :
(قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب".
قلت : وكم أتى عليك إذ ذاك؟.
فقال : عشر سنين أو أقل , ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم . فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم.. فانتهرني .
فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك .
فدخل فنظر فيه ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام ؟
فقلت : هو الزبير وهو ابن عدى عن إبراهيم.
فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لي: صدقت.
فقال له إنسان : ابن كم حين رددت عليه؟
فقال : ابن إحدى عشرة سنة.
قال : فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع . وعرفت كلام هؤلاء ـ يعنى أصحاب الرأي).
وقال حامد بن إسماعيل وآخر: (كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام ، فلا يكتب ، حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له. فقال : إنكما قد أكثرتما علي فاعرضا علي ما كتبتما ، فأخرجنا إليه ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشرة ألف حديث ، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. ثم قال : أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد).