تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمسلمون الآن كما تعلمون مستذلون لغيرهم محكومون بالكفار قد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم ، وتحكم في شؤونهم خصومهم وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم ، فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم , فوجب وجوباً عيناً لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم وأن ينطوي علي نية الجهاد وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة ويقضي أمراً كان مفعولاً .

ولعل من تمام هذا البحث أن أذكر لك أن المسلمين في أي عصر من عصورهم ، قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم ، لم يتركوا الجهاد ولم يفرطوا فيه حتى علمائهم والمتصوفة منهم والمحترفون وغيرهم ، فكانوا جميعاً علي أهبة الاستعداد ، كان عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد متطوعاً في أكثر أوقاته بالجهاد ، وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك ، وكان شقيق البلاخي شيخ الصوفية في وقتها يحمل نفسه وتلامذته علي الجهاد .

وكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدث يغزو ويدرس العالم سنة ويحج سنة ، وكان القاضي أسد بن الفراط المالكي أميراً للبحر في وقته ، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة ولا يخطئ كذلك كان السلف رضوان الله عليه ، فأين نحن من هذا التاريخ؟ .

لماذا يقاتل المسلم؟

أتي علي الناس حين من الدهر وهم يغمزون الإسلام فرضية الجهاد وإباحاته ، حتى تحققت الآيات الكريمة : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53) . فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للسلام . فرض الله الجهاد علي المسلمين لا آداه العدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية ولكن ضمان للسلام وآداه للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون ، رسالة هداية الناس إلي الحق والعدل ، وإن الإسلام كما فرض القتال شاد بالسلام فقال تبارك وتعالي : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (لأنفال:61) .

رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٣٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الإمام حسن البناص ٣٧٤