فأما الخلف فقد قالوا : إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات و الأحاديث لا يراد بها ظواهرها , وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها , فاخذوا يؤولون (الوجه) بالذات و (اليد) بالقدرة .. وما إلى ذلك هربا من شبهة التشبيه , و إليك نماذج من أقوالهم في ذلك :
( أ ) قال أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في كتابه (دفع شبهة التشبيه) :
(قال الله تعالى : (ويبقى وجه ربك) قال المفسرون : ويبقى ربك , وكذلك قالوا في قوله تعالى : (يريدونه وجهه) أي يريدونه , وقال الضحاك و أبو عبيدة : (كل شيء هالك إلا وجهه) أي إلا هو) .
وعقد في أول الكتاب فصلا إضافيا في الرد على من قالوا أن الأخذ بظاهر هذه الايات و الأحاديث هو مذهب السلف , وخلاصة ما قاله هو أن الأخذ بالظاهر هو تجسيم و تشبيه , لأن ظاهر اللفظ هو ما وضع له , فلا معنى لليد حقيقة إلا الجارحة , وهكذا .
و أما مذهب السلف فليس أخذها على ظاهرها , ولكن السكوت جملة عن البحث فيها , و أيضا فقد ذهب إلى أن تسميتها آيات صفات و أحاديث صفات تسمية مبتدعة لم ترد في كتاب و لا في سنة , وليست حقيقية فإنها إضافات ليس غير , و استدل على كلامه في ذلك بادلة كثيرة لا مجال لذكرها هو .
( ب ) وقال فخر الدين الرازي في كتابه أساس التقديس : (واعلم أن نصوص القرآن لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه : الأول أن ظاهر قوله تعالى (ولتصنع على عيني) يقتضي أن يكون موسى موسى مستقرا على تلك العين ملتصقا بها مستعليا عليها وذلك لا يقوله عاقل , و الثاني أن قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) يقتضي أن تكون آلة تلك الصنعة هي تلك العين , والثالث أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لابد من المصير إلى التأويل و وذلك أن تحمل هذه الألفاظ على شدة العناية والحراسة) .