إلى هنا وضح أمامك طريقا السلف و الخلف , وقد كان هذان الطريقان مثار خلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين , و أخذ كل يدعم مذهبه بالحجج و الأدلة , ولو بحثتَ الأمرَ لعلِمتَ أنَّ مسافةَ الخُلْف بين الطريقتين لا تحتمل شيئاً من هذا لو ترك أهلُ كلٍّ منهما التطرفَ والغلوَّ , وأنَّ البحثَ في مثل هذا الشأن مهما طال فيه القول لا يؤدي في النهاية إلا إلى نتيجةٍ واحدةٍ ، هي التفويض لله تبارك وتعالى , وهذا ما سنفصله لك إن شاء الله .
بين السلف و الخلف :
قد علمت أن مذهب السلف في الآيات المتشابهات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى أن يمروها على ما جاءت عليه ، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها ، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهة خلقه ، وعلمت أن الخلاف شديد بين أهل الرأيين حتى أدى بينهما إلى التنابز بالألقاب العصبية ، وبيان ذلك من عدة أوجه :
أولا : اتفق الفريقان على تنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه .
ثانيا : كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالى غير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ في حق المخلوقات ، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه .
ثالثا : كل من الفريقين يعلم أن الألفاظ توضع للتعبير عما يجول في النفوس ، أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة وواضعيها ، وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم ، وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى من هذا القبيل ، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق ، فالتحكم في تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير .
وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل ، وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظا لعقائد العوام من شبهة التشبيه ، وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا إعناتا .