لو أن رجلا سمع بوجود بلد لم يره , كاليمن مثلا , من رجل آخر غير معروف بالكذب , فإنه يصدق بوجود هذا البلد و يعتقده , فإذا سمع هذا الخبر من عدة رجال زاد به ثقة , و إن كان لا يمنعه ذلك من أن يشك في اعتقاده إذا عرضت له الشبهات , فإذا رأى صورته الفوتوغرافية زاد اعتقاده بوجوبه , و أصبح الشك متعسرا عليه أمام قوة هذا الدليل , فإذا سافر و بدت له أعلامه و بشائره زاد إيقانه و زال شكه , فإذا نزله و رآه رأي العين , لم يعد هناك مجال للريبة , و رسخت في نفسه هذه العقيدة رسوخا قويا حتى يكون من المستحيل رجوعه عنها و لو أجمع الناس على خلافها , فإذا سار في طرقه و شوارعه , و درس شؤونه و أحواله ازداد به خبرة و معرفة , و كان ذلك أمرا موضحا لاعتقاده زائدا عليه .
و إذا علمت هذا فاعلم أن الناس أمام العقائد الدينية أقسام كذلك :
منهم من تلقاها تلقينا , و اعتقدها عادة , و هذا لا يؤمن عليه من أن يتشكك إذا عرضت الشبهات , و منهم من نظر وفكر فازداد إيمانه , و منهم من أدام النظر و أعمل الفكر , و استعان بطاعة الله تعالى و امتثال أمره , و إحسان عبادته , فأشرقت مصابيح الهداية في قلبه , فرأى بنور بصيرته ما أكمل و أتم يقينه , و ثبت فؤاده :
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17) .
و إنما ضربنا لك هذا المثل لترقى بنفسك عن مواطن التقليد في التوحيد , و تعمل الفكر في تفهم عقيدتك , و تستعين بطاعة مولاك في معرفة أصول دينك , و تستعين بطاعة مولاك في معرفة أصول دينك حتى تصل إلى مراتب الرجال , و تترقى في مدارج الكمال :
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
3 - تقدير الإسلام للعقل :
أساس العقائد الإسلامية - ككل الأحكام الشرعية - كتاب الله تعالى و سنة رسوله .