ذكرنا بعض الأصول التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي , والروح التي تمليها علينا تلك الأصول , التي تنتج مع التطبيق الصحيح وضعا اقتصاديا سليما ليس أفضل منه , فهي توجب استقلال نقدنا , واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا , لا على أذونات الخزانة البريطانية ودار الضرب البريطانية والبنك الأهلي البريطاني - وإن كان مقره مصر - وتأمل الآية الكريمة : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء:5) .
ومن أفظع التغرير بهذا الشعب , أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي , وإن مصر إذا حزمت أمرها , وأحكمت تصرفاتها , ستصل ولا شك إلى هذا الاستقلال ... ولقد انفصلنا عن الكتلة الإسترلينية , وفكرنا في تأميم البنك الأهلي , وطالبنا بالديون التي لنا على الإنجليز , وكل هذه ونحوها مشروعات تؤمن النقد المصري ... فماذا فعل الله بها؟ وماذا أعددنا العدة لإنقاذها؟
لعل من المفارقات أن أكتب هذه الكلمات في الوقت الذي يذاع فيه أن المفاوضات بين مصر وإنجلترا حول الأرصدة الإسترلينية باءت أو قاربت أن تبوء بالفشل , لتعنت الإنجليز وتمسكهم بألا يدفعوا لمصر عن سنة 1948 أكثر من 12 مليونا , في الوقت الذي تطلب فيه مصر طلبا متواضعا هو 18 مليونا.
ولقد أنتج ضعف الرقابة على النقد , والاستهانة بأمره استهانة بلغت حد الاستهتار , هذه المآسي التي نصطلي بنارها من التضخم الذي استتبع غلاء المعيشة , وصعوبة الاستيراد والتصدير.
ولم يحدث في تاريخ الدول الراقية فيما نعلم أن بنكا يستغل قرارا من وزير هذا الاستغلال الشائن , كما فعل ذلك البنك الأهلي بقرار من وزير المالية غير الموقع عليه من أحد في يونيو سنة 1916 , فيصدر بمقتضاه من الأوراق ما يشاء .
تمصير الشركات