كل ذلك يا أخي جعلنا وقد قضينا سبعة عشر عاماً في الإعداد والاستعداد ، وأفهمنا الناس فيها الأمر علي حقيقته ، من أن السياسة والحرية والعزة من أوامر القرآن ، وأن حب الأوطان من الإيمان ، ولم يتبق بعد هيئة من الهيئات علي وحدتها وثقة الناس بها وأملهم فيها إلا الإخوان ، كل ذلك يا أخي جعلني أشعر شعوراً قد ارتقي إلي مرتبة الاعتقاد ، إننا لم يعد لنا الخيار ، وإن من واجبنا الآن أن نقود هذه النفوس الحائرة ونرشد هذه المشاعر الثائرة ونخطو هذه الخطوة والله المستعان .
علي أن هناك نظرة أخري ليست بأقل مما تقدم أهمية . ألست ترى يا أخي أن أهم عوامل الفساد والإفساد لحياة هذا الشعب المصري وغيره من الشعوب العربية والإسلامية هذا التدخل والتحكم الأجنبي الذي أفقدنا عزتنا ووجهنا غير وجهتنا وبدل أوضاع حياتنا وضحك علينا بالقشور وصرفنا عن اللباب ، ثم هذا الضعف المتناهي من هذه الحكومات التي جعلت من نفسها أداة طيعة إن لم تكن مسرعة في يد الأجنبي يتحكم بها في رقاب الناس كما يشاء وينفذ بها مطالبه وخططه كما يريد سافراً أو مستتراً .
أولست ترى أن أول باب للإصلاح أن نجاهد هذين المظهرين ، وأن يتحرر الناس من هذين النيرين ، وإلا فكل مجهود إلي ضياع ، وقد جربنا ذلك في أنفسنا وفي غيرنا ولمسناه وعرفناه ، فإذا لم ندخل علي القوم من الباب في هذه الفترة من الزمن فمتي إذن ؟.
والله يا أخي لو كنا أمة مستقلة تصرف أمورها حكومة يقظة لكان في كل غرض من أغراض دعوتنا علي حدة متسعة لكل أوقاتنا ومجهوداتنا ، فهذا الغرض العلمي من شرح دعوة الإسلام والكشف عما فيها من روعة وجمال ، وهذا الغرض الاجتماعي من مساواة المنكوبين ومعاونة البائسين ، وهذا الغرض الاقتصادي من استنفاد الثروة القومية وتنميتها وحمايتها ، كل غرض من هذه الأغراض يستغرق أضعاف وقتنا ويستنفد أمثال جهودنا ولكن ما كل ما يتمني المرء يدركه والله أعلم حيث يجعل رسالته .