ولم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد , ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات فانتقص من مال الغني بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد , وزهّده في الترف والخيلاء ورغّبه في الصدقة والإحسان , وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء وقرر للفقير حقاً معلوماً وجعله في كفالة الدولة أولاً وفي كفالة الأقارب ثانياً وفي كفالة المجتمع بعد ذلك . ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريراً عجيباً في دقته وشموله وآثاره ونتائجه ، وأقام الضمير الإنساني مهيمناً عليها من وراء هذه الصور الظاهرية . كل هذا بعض ما وضع الإسلام من قواعد ينظم بها شأن الحياة الاقتصادية للمؤمنين ، وقد فصلت الحياة الاقتصادية الممسوخة التي يحياها الناس في هذه الأعصر بين الاقتصاد والإسلام ، فقمتم أنتم ومن أهدافكم وأغراضكم الإصلاح الاقتصادي بتنمية الثروة القومية وحمايتها ، والعمل علي رفع مستوي المعيشة ، والتقريب بين الطبقات ، وتوفير العدالة الاجتماعية ، والتأمين الكامل للمواطنين جميعاً ، وإقرار الأوضاع التي جاء بها الإسلام في ذلك كله .
5 ـ وإذا كانت هذه الأهداف جميعاً لا تتحقق إلا في ظل الدولة الصالحة وقد عرفتنا الأيام ألوان الحكومات التي تقوم علي غير النظام الإسلامي , فإذا هي جميعاً لا تزيد الأمر إلا شدة ، مع أن دستور بلاد الذي ارتضته نظاماً لنفسها يعلن في المادة (149) منه : (أن دين الدولة الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية ) ، فكان لابد أن تطالبوا بحق الإسلام في إقامة الحكومة التي ترتكز علي أصوله وأحكامه وتعاليمه , وشرط ذلك الحرية والاستقلال الكامل فكان طبيعياً أن يكون من أهدافكم ـ كدعوة إسلامية صحيحة كاملة ـ تحرير وادي النيل والبلاد العربية والوطن الإسلامي بكل أجزاؤه من كل سلطان أجنبي .