لقد ورثنا هذا الإسلام الحنيف واصطبغنا به صبغة ثابتة قوية ، تغلغلت في الضمائر والمشاعر ولصقت بحنايا الضلوع وشغاف القلوب ؛ واندمجت مصر بكليتها في الإسلام بكليته : عقيدته ولغته وحضارته ودافعت عنة وذادت عن حياضه وردت عنة عادية المعتدين ، وجاهدت في سبيله ما وسعها الجهاد بمالها ودم أبنائها ، وأنقذته من براثن التتار وأنياب الصليبيين ، وردت الجميع على أعقابهم خاسرين ، استقرت فيها فيها علوم الإسلام ومعارفه ،واحتوت الأزهر أقدم جامعة تقوم على حياطتة ورعايته وحراسته ، وانتهت إليها زعامة شعوبه الأدبية والاجتماعية ، وصارت مطمح أنظار الجميع ومعقد آمالهم.
هذا الإسلام ، عقيدته ونظمه ولغته وحضارته ، ميراث عزيز غال على مصر ليس تفريطها فيه بالشيء الهين ولا إبعادها عنه بالأمر المستطاع مهما بذلت في سبيل ذلك الجهود الهدامة المدمرة . ومن هنا بدت مظاهر الإسلام قوية فياضة زاهرة دفاقة في كثير من جوانب الحياة المصرية : فأسماؤها إسلامية ولغتها عربية ، وهذه المساجد العظيمة يذكر فيها اسم الله ويعلو منها نداء الحق صباح مساء ، وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام . كل ذلك حق ، ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزواً قوياً عنيفاً بالعلم والمال ، وبالسياسة والترف ، والمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية التي لم نكن نعرفها من قبل . فأعجبنا بها ، وركنا إليها ، وأثر هذا الغزو فينا أبلغ الأثر وانحسر ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة الاجتماعية في كثير من شؤونها الهامة ، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية ، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا علي القلوب والمحاريب ، وفصلنا عنه شؤون الحياة العملية ، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة .