3 ـ ولقد جاء الإسلام الحنيف يفصل القضية فصلاً حقاً ، فيقرر حق العالم الروحي ويوضح صلة الإنسان بالله رب الكائنات جميعاً وبالحياة الآخرة بعد هذه الحياة الدنيا ، ويجعل الإيمان بالله أساس إصلاح النفس التي هي من عالم الروح فعلاً والتي لا سبيل إلى صلاحها إلا بهذا الإيمان , ويصف ذلك العالم الغيبي المجهول وصفاً يقربه إلى الأذهان ولا يتنافى مع بدهيات العقول ، وهو مع هذا يقرر فضل هذا العالم المادي وما فيه من خير للناس لو عمروه بالحق وانتفعوا في حدود الخير ، ويدعو إلى النظر السليم في ملكوت السماوات والأرض ، ويعتبر هذا النظر أقرب إلى معرفة الله العلي الكبير . هذا الموقف من الإسلام الحنيف ألزم العقل البشري لوناً من ألوان التفكير ، هو أكملها وأتمها وأكثرها انطباقاً علي واقع الحياة ومنطق الكون ، وأعظمها نفعاً لبني الإنسان : ذلك هو الجمع بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل . فنحن نعيش في عالمين فعلاً لا في عالم واحد ، ونحن عاجزون عن تفسير كثير من ظواهر الكون فعلاً ، عاجزون عن إدراك كل الحقائق الأولية التي تحيط بنا . ونحن في إدراكها ننتقل من مجهول إلى مجهول حتى ينتهي بنا العجز إلى الإقرار بعظمة الله ، ونحن نشعر من أعماق قلوبنا بعاطفة الإيمان قوية مشبوبة ، لأن الإيمان من فطرة نفوسنا وهو لها ضرورة من ضرورات حياتها كالغذاء والهواء والماء للأجسام سواء بسواء . ونحن بعد ذلك نلمس أن المجتمع الإنساني لن يصلحه إلا اعتقاد روحي يبعث في النفوس مراقبة الله والتعزي بمعرفته ، ومن هنا كان لزاماً علي الناس أن يعودوا إلى الإيمان بالله والنبوات وبالروح وبالحياة الآخرة ، وبالجزاء فيها علي الأعمال (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ , وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:7-8) .
رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٢٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسائل الإمام حسن البناص ٢٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي