وهو موقف واضح مستنير لو استكمل شروط الصحة فإن هذا الحياد محال أن يكون حقيقيا والمعاهدة المصرية الإنجليزية تفرض علينا أن نقدم كل المساعدات الممكنة للقوات البريطانية ونحن قد قمنا بذلك فعلا , وجندت مصر تجنيدا حقيقيا لمساعدة إنجلترا , فأعلنت الأحكام العرفية وفرضت الرقابة على الصحف واستخدمت السكك الحديدية والمطارات والموانئ والتليفونات والتلغرافات وكل طرق المواصلات , وقدمت طلبات السلطة العسكرية البريطانية في جميع الشؤون على كل الطلبات , وحجزت المواد اللازمة للجيش وللأعمال الحربية مهما كانت الحاجة إليها شديدة , وأرسل الجيش المصري إلى الحدود وإلى السودان , وصارت مصر حقيقة لا خيالا في حالة حرب مما جعل هذا الحياد لا قيمة له في الواقع .
كما أن الاستعداد لن يكون كاملا وأمامه عقبات مادية وسياسية تجعل الوقت يمر دون أن نجهز أنفسنا بالقليل من المعدات العسكرية أو المدنية .
وإذاً فرضاء مصر بهذا الموقف الصوري العجيب ليس عن طواعية واختيار , وكلنه عن كراهية واضطرار , وليس هناك موقف أفضل منه مادمنا مجبرين عليه ,ونهيب بالحكومة المصرية جاهدين أن تعمل ما وسعها العمل على استكمال العدة , وتجهيز الشعب بوسائل الدفاع العسكرية والمدنية أخذا بالحيطة واستعدادا للطوارئ .
أما الوقف الذي ترضاه مصر وتهش له وتقنع به فلا يخرج عن أحد أمرين :
إما أن إنجلترا لا تثق بنا ولا تعتمد علينا ولا تعتبرنا حلفاء حقيقين لها , وحينئذٍ يكون عليها أن تصارحنا بذلك وأن تخلي أرضنا وأن توفر علينا مساعداتنا وأن تحلنا من قيود المعاهدة التي تنص على المحالفة وترتب عليها المساعدة , وذلك فرض مستبعد طبعا .