2- يتطلب الإسلام الإيمان الغيب ، لأنه عن طريقه يؤمن بالله واليوم الاخر ، ولكنه لا يطلب منه أن يهمل عالم الشهود . بل إنه في عرضه لحقائق العقيدة يكثر من الإشارة إلى آيات الله في الكون لكي يتدبرها الإنسان ويصل عن طريق تدبرها إلى الإيمان بالله . ومن هنا لا يلجأ الإسلام إلى الغيبوبة الروحية التي يقع فيها بعض المتطرفين في العبادة زعماً منهم أنهم يستغنون بشهود الذات الإلهية عن شهود الكون الذي خلقه الله ، وكذلك لا يقبل أن ينشغل الإنسان بالكون المشهود عن عالم الغيب فيقطع صلته بالله واليوم الاخر كما تصنع جاهلية اليوم .
3- قلنا من قبل إن الإسلام لا يفصل بين الدنيا والآخرة ، ونقول هنا : إن هذا الربط ذاته هو الذي يوازن بين الدنيا والآخرة في هذه العقيدة ، إذ يحدث عدم التوازن حين تنفصل الدنيا عن الآخرة في حس الإنسان ، فيقوم بأعمال على أنها للدنيا وحدها منفصلة عن الآخرة ، وأعمال أخرى على أنها للآخرة وحدها منفصلة عن الدنيا ، عندئذ لا بد أن يحدث الاختلال في حسه فتغلب مجموعة من الأعمال على الأخرى . فإما أن تجذبه الدنيا رويداً رويداً حتى ينسى الآخرة ، وإما أن تجذبه الآخرة رويداً رويداً حتى ينسى الدنيا . وكلاهما في نظر الإسلام اختلال . فالأول ينشغل بالسعي وراء الرزق والحصول على أكبر قدر من متاع الدنيا ، والآخر يزهد في متاع الدنيا وينشغل عن طلب الرزق وتعمير الأرض . ويصبح كل منهما مقصراً وآثماً في حق الله .
إنما يحدث التوازن الذي تشير إليه الآية : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [ القصص : 77 ] .
حين ترتبط الدنيا والآخرة في حس الإنسان فيعمل للآخرة وهو يعمل للدنيا في ذات الوقت . فلا يهمل العبادة ولا يهمل عمارة الأرض .