يوصف النعيم في القرآن بأنه نعيم حسي ومعنوي في ذات الوقت . كما يوصف العذاب كذلك بأنه عذاب حسي ومعنوي وهذا هو الذي يتلاءم مع طبيعة " الإنسان " .
فالإنسان الذي يعيش في الدنيا مزيج من الجسد والروح . من الحسيات والمعنويات . وهو الذي يكرم في الآخرة أو يهان . فإذا كرم فإنما يكرم كله ، بجسده وروحه ، وإذا عذب فإنما يعذب كله ، بجسده وروحه سواء .
وقد وصف الله لنا جنته وناره وصفاً دقيقاً شاملاً ولكن خيالنا قاصر عن الإحاطة بهما ، فإذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن الجنة : " فِيها مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر " (1) .
فنحن نتصور النعيم – سواء الحسي منه أو المعنوي – في حدود خبرتنا وتجاربنا في الحياة الدنيا . ولكنه في حقيقته أجمل من كل ما نستطيع أن نتخيل ، فليس الشجر كالشجر وليست الثمار كالثمار . وليست الحور العين كأي جمال نستطيع أن نتصوره في الأرض . وكذلك الرضوان ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) [ التوبة : 72 ] .
إن أيّ تصور لهذا الرضوان ، ومدى الراحة النفسية له والفرحة الروحية به لا يمكن أن يصل إلى شيء من الحقيقة .. ولكن هذه طبيعة البشر مع اللغة ، لا يستطيعون أن يدركوا من معانيها إلا ما يدخل في دائرة تجربتهم وتصورهم !
والأمر مع العذاب كذلك .. إننا لا نستطيع أن نتصور من أمر النار إلا ما شاهدناه في حياتنا الدنيا . وقد نضاعف القدر في خيالنا مرات ومرات . ولكنا مع ذلك لا نصل إلى حقيقة عذاب الحريق الذي ينتظر الكفار في جهنم والعياذ بالله . وكذلك الأمر بالنسبة للعذاب النفسي من خزي وندم وحسرة وهوان .
فلنقرأ إذن وصف الجنة والنار في القرآن . ولنحاول – ما استطعنا – أن نقترب بخيالنا من حقائق الأشياء !
أولاً – أوصاف الجنة وأهلها :
(1) رواه البخاري .