فإذا زاد علمه أكثر من ذلك فعرف أن الملائكة ليسوا على مرتبة واحدة من حيث عدد أجنحتهم ، فمنهم ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، فإنه يزيد تعظيماً لله الخالق الذي يزيد في الخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير .
وإذا عرف بعد ذلك كله أنها مخلوقة من النور كما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " . ( أي من الطين ) فإن عجبه لا يقف عند حد . فالنور كما يراه الإنسان في عالمه المحسوس أشعة تنطلق مستقيمة في الفضاء ، أما أن يكون من هذا النور مخلوقات تتحرك وتتكلم ، وتتشكل بأشكال شتى (1) ، وتقوم بأعمال معينة تكفلها ، فأمر وراء إدراك الحس .
وحقيقة أن خلق الله آدم من قبضة من طين الأرض معجزة هائلة يقف الحسّ أمامها عاجزاً متحيراً ؛ لأن النقلة بعيدة بين قبضة الطين وبين هذا البشر ذي الحواس والإدراك والقصد والإرادة والقدرة على تعمير الأرض واستخدام طاقات الكون المسخرة له من عند الله .
(1) جاء في حديث جبريل : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخديه وقال : " يا محمد : أخبرني عن الإسلام .. " قال : ثم انطلق فلبث مليا ثم قال لي : " يا عمر : أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم . قال : " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " . رواه مسلم .