تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت " الضرورة " الواقعية هي التي ألجأت أوربا إلى الاعتماد على اليهود في تمويل الثورة الصناعية (1) ، فلم تكن تلك الضرورة قائمة في العالم الإسلامي. فقد كان المال في يد التجار المسلمين وفيراً، وكانوا هم الأجدر بتحويل رؤوس أموالهم - أو جزء منها - لتمويل الحركة الصناعية دون ربا ولا فساد في الأرض.. وعندئذ كان يتغير وجه التاريخ!

وهذه النقطة وحدها تبين لنا كم كانت جسامة الوزر الذي ارتكبته الأمة الإسلامية بتفريطها وتهاونها في أمر دينها. وكم كانت الخسارة التي عادت على العالم كله من جراء هذا التفريط والتهاون، فضلاً عن الضرر الذي عاد على الأمة كلها فيما بعد، من ضياع مكانتها، وضياعها هي ذاتها، وضياع فلسطين واقتطاعها من جسد الأمة الحي، ليلتهمها اليهود.

حقًّا! ما أبعد الشُّقة بين قيام الحركة الصناعية في أوربا، وما لابسها من ملابسات، وبين أن تكون قامت في العالم الإسلامي، الذي كان جديراً أن تقوم فيه، لو بقي على صراط الله المستقيم.

ولم تكن البراءة من الربا - الذي جرّ سيطرة اليهود العالمية - هي الخير الوحيد الذي كان العالم جديراً أن يكتسبه من قيام الحركة الصناعية في العالم الإسلامي. بل كانت معها النجاة من شرور كثيرة أخرى وقعت في الأرض.

وخذ فقط " قضية المرأة ".

لقد نشأت القضية كما شرحنا في هذا الكتاب - وفي غيره من قبل - من اضطرار المرأة الأوربية للعمل حين نزح كافلها من الريف إلى المدينة للعمل وتركها بلا عائل، فتبعته إلى المدينة لتعمل لتسد جوعتها، فاستغلها أصحاب المصانع استغلالاً رديئاً،

(1) لم تكن ضرورة في الحقيقة. فقد نشأت تلك " الضرورة " الوهمية من أن المال الوفير لم يكن متوافراً إلا في يد أمراء الإقطاع والمرابين اليهود، فلما امتنع الإقطاعيون عن تمويل الثورة الصناعية للظروف التي بيناها في فصل " السيطرة العالمية لليهود "، انفتح الباب على مصراعيه للمرابين.. ولكن هذا الوضع الإقطاعي ذاته كان نتيجة لعدم تحكيم شريعة الله في أوربا، وتحكيم القانون الروماني بدلاً منها، وسكوت الكنيسة على هذا الوضع، بل تشجيعه كذلك!

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ١٩٧