تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحي اللاتيني في باريس - الذي احْتُفظ به للذكرى، والذي يتغنى عبّاد باريس بأزقته الضيقة، ويتغنون أحياناً بقذارة رواده! - هو نموذج لما كانت عليه باريس كلها إلى وقت قيام الثورة الفرنسية (1789 م) . واقرأ إن شئت وصفاً لما كانت عليه الشوارع قبيل الثورة من القذارة، ومن الوحل اللازب حين ينزل المطر على الأتربة المتراكمة، في " قصة المدينتين " التي كتبها الروائي شارلز دكنز، الذي اشتهر بدقته وواقعيته في وصف المشاهد التي يرسمها.

كلا! إنما الذي صنع أوربا الحديثة الغنية المتعالية هو ضعف العالم الإسلامي، وعدوان أوربا عليه ونهب خيراته!

ولو بقي العالم الإسلامي على صورته التي كان ينبغي أن يبقى عليها، فقد كانت أوربا ستتعلم، وترتقي، وتتقوى، وتتحضر، ولكن في الحدود المتاحة لها، التي تتيحها لها قوتها بإزاء قوة العالم الإسلامي.

ونفترض جدلاً أنها آثرت الكفر بسبب أفاعيل الكنيسة، ولم تدخل في الإسلام، على الرغم من إشارة ويلز إلى أن العالم كله كان عرضة لأن يدخل في الإسلام في بدايات القرن السادس عشر، فماذ كان يمكن أن يحدث؟

لقد كان النموذج المنحرف الذي اختارته أوربا لنفسها، المعادي للدين، أو المبتعد عنه في أقل تقدير، سيظل محصوراً في حدود أوربا، لا يتجاوزه إلى العالم الواسع، بسبب وجود النموذج السوي في رقعة واسعة من الأرض، مُمَكَّنا قويًّا، مستعلياً بإيمانه، وجذاباً في الوقت نفسه بما يشتمل عليه النموذج الإسلامي الصحيح من توازن ورفعة ونظافة وشمول وطمأنينة وبركة.

وفضلاً عن ذلك فإن النموذج الأوربي المنحرف - حتى ولو ملك القوة المادية والعلمية - كان سيظل موضع الاستنكار ممن يمارسون الأسلوب الصحيح، وممن يقفون موقف المتفرج بين المنهج المنحرف والمنهج الصحيح. ومما يدل على ذلك أن الوثنيين في الهند - الذين حكمهم المسلمون ثمانية قرون دون أن يُكرهوهم على اعتناق الإسلام - كانوا في مبدأ الأمر أميل إلى الحكم الإسلامي منهم إلى المستعمر البريطاني، وذلك قبل أن يستميلهم الإنجليز بشتى الطرق إليهم، ويُحرّضوهم على تذبيح المسلمين

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ١٩٢