وقد وقفت الكنيسة بعناد وحشي تحارب تأثر أوربا بالإسلام، الذي كان وشيكاً أن ينشر الإسلام فيها على نطاق واسع، كما قال ويلز في كتاب " معالم تاريخ الإنسانية " (1) ، واستخدمت الكنيسة في ذلك محاكم التفتيش من بين ما استخدمت من الوسائل.
فلا نزعم أن استمرار قيام الأمة الإسلامية برسالتها كان سيغير موقف الكنيسة ويليّن عنادها الوحشي.
ولكنا نقول مع ذلك: إن نتائج مختلفة تماماً عما هو حادث اليوم كانت قمينة أن تخرج إلى الوجود بحسب السنن الربانية ووعد الله ووعيده.
ونفصّل الكلام بعض الشيء.
لقد قامت الكنيسة بدور كبير في تنفير أوربا من الدين، ودفعها إلى الانسلاخ منه، وكانت الصورة التي قدمتها عن الدين - كما أشرنا مراراً - صورة منفّره بالفعل، فضلاً عن الطغيان البشع الذي مارسته الكنيسة باسم الدين في مختلف الاتجاهات.
وبرز في أوربا نموذج من الحياة يبتعد رويداً رويداً عن الدين، حتى انسلخ منه اسنلاخاً كاملاً في العهد الأخير، ورأت أوربا في عملها هذا أنه هو الصواب الذي ينبغي عمله، وأن كل تصرف يؤدي إلى إبقاء سلطان الدين - فضلاً عن توسيع سلطانه - هو عمل ضد الشعوب! وضد الحضارة! وضد العلم! وضد إنسانية الإنسان!
وكما قلنا مراراً فإن أوربا معذورة في أن تقف من دينها هذا الموقف، فقد كان ذلك الدين بالفعل معوقاً عن الحياة، ومفسداً لها في كل اتجاه.
ولكن انتقال أوربا من السخط على دينها وكنيستها، إلى السخط على الدين في ذاته، وكل مقرراته، مع سيطرة أوربا على العالم، كان هو سبب الكارثة التي وقعت فيها البشرية في ظل الجاهلية المعاصرة.
وهنا يبدو الأثر الضخم الذي خلّفه غياب الأمة الإسلامية عن الساحة، ونُكولها عن رسالتها.
(1) سبقت الإشارة إليه.