تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأعداء، ولتأليف القلوب، لأنهم واجهوا - بالإسلام - ظروفاً جديدة لا تصلح فيها العفوية التي تدير البيئة بها الأمور.

وكذلك فإن الإسلام أخرجهم من النظرة القريبة التي كانت تنتهي إليها مصالحهم في الأرض، إلى نظرة بعيدة بعيدة.. أبعد من أي مدى يمكن أن يعيش له الإنسان في الأرض، لأنه يتجاوز الزمان كله، والمكان كله، إلى ما وراء الزمان والمكان.. إلى اليوم الآخر، الذي لا يعرف أحد موقعه من الزمان والمكان، ولكنه واقع لا ريب فيه، تؤمن به هذه القلوب، وتعمل له وهي في واقعها الأرضي، فتخطو خطواتها على الأرض وهي معقلة بذلك الأمد الذي لا تحده الحواس.

وتغيرت بكل ذلك طبائع الناس.. وتكوّنت منهم خير أمة أخرجت للناس.

وحين خفّت قبضة الإسلام على النفوس في واقعها المعاصر، عاد الناس إلى تأثير البيئة! فوضويين يكرهون النظام، عفويين يكرهون التخطيط، قصار النفس، يشتعلون بسرعة وينطفئون بسرعة.

والعبر المستفادة من هذه اللمحة من لمحات التاريخ أن كل التفسير المادي للتاريخ الذي يجعل للبيئة المادية السيطرة الكاملة على الإنسان، وكل التفسير الدارويني الحيواني للإنسان، الذي يجعل الإنسان حيواناً متطوراً تطور جسده وعقله فحسب، وكل تفسير يغفل أثر العقيدة.. إنما هي تفسيرات جاهلية، لا تصلح لتفسير حقيقة " الإنسان ".

والعبرة المستفادة من جهة أخرى أن هناك شيئاً واحداً يفوق تأثيره أثر البيئة. ذلك هو العقيدة الصحيحة في الله، المتضمنة تحقيق المنهج الرباني في واقع الحياة.

وأنه حين يُكتب التاريخ، وحين تُربي الجماعات، وحين تُنشأ الدول، وحين تُمارس الحياة، فينبغي أن يكون الاعتبار الأول في كل ذلك للعقيدة الصحيحة، التي تقف - وحدها - لكل تأثير البيئة، وتستطيع - وحدها - أن تُصحّح كل انحرافات البيئة، حين تصل في نفوس أصحابها إلى درجة التوهج والانطلاق!

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ١٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ١٧٧