وبيان الجواب أن يقال:- اعلم- رحمك الله تعالى- أن الأمر نوعان:- أمر كوني قدري وأمر شرعي, والأمر الكوني كالإرادة الكونية, والأمر الشرعي كالإرادة الشرعية، ومن المعلوم عند أهل السنة أن الإرادة الكونية القدرية لا تستلزم المحبة أي قد يريد الله كوناً مالا يريده شرعاً أي أنه لا يحبه ولا يرضاه وكذلك يقال في الأمر الكوني, هو أيضاً لا يستلزم المحبة أي يأمر الله تعالى بأمر كوني قدري وهو لا يحبه شرعاً, فالأمر المنفي في قوله تعالى:- ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ﴾ إنما هو الأمر الشرعي, فالله تعالى لايأمر بالفحشاء شرعاً, وذلك أن المشركين زعموا أن الله تعالى هو الذي أمرهم شرعاً بفعل هذه الفاحشة, فرد الله تعالى عليهم زعمهم هذا بأنهم جلَّ وعلا لا يأمر شرعاً بالفواحش ولا يرضاها ولا يحبها, بل هو جلَّ وعلا لا يأمر إلا بالقسط والخير ولذلك قال بعدها: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ﴾ (1) فالأمر المنفي هنا إنما هو الأمر بالفحشاء شرعاً, لأن الأمر الشرعي يستلزم المحبة, فالله تعالى لا يأمر شرعاً إلا بما يحبه ويرضاه, وأما الأمر الكوني القدري فهذا واقع بتقدير الله تعالى لكنه لايستلزم المحبة والرضا, وهذا الأمر هو المراد بقوله تعالى ﴿: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ فالله تعالى إذا أراد أن يهلك قرية, فإنه يقدر كوناً فسق مترفيها حتى إذا حق عليها القول دمرها تدميراً ففسق المترفين واقع بأمر الله وقدره الكوني لا بالأمر الشرعي, وهو مراد كوناً وليس مراداً شرعاً, وبهذا تتفق الآيتان ولا يكون بينهما أي إشكال أو اختلاف فإنها من كلام الله تعالى المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزل من حكيم حميد, فالأمر المثبت في قوله تعالى ﴿: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ هو الأمر الكوني القدري وهو المرادف
(1) سورة الأعراف آية (29)