تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... فإنك تراهم إذا انتهى من الأذكار كبر وسجد سجدة واحدة ، فإذا أنكرت عليه ذلك قال : أوليس النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) ؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله مرافقته في الجنة : (( أعني على نفسك بكثرة السجود )) ؟ ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ما سجد عبد لله سجدة إلا رفعه به درجة )) ، فالذي فعلته إنما هو سجود لله جل وعلا . فيقال له : نعم ونحن نقر إقرارًا جازمًا بأن السجود من جملة العبادات التي لا تصرف إلا لله عز وجل وقد وردت الأدلة بفضله وبشرف هيئته ، وهذه الأدلة المذكورة وغيرها إنما تفيد مشروعية أصل السجود ، ولكنها لا تفيد مشروعية هذه السجدة المفردة ؛ لأن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف .

... فأصل السجود مشروع لكنه بهذا الوصف ممنوع ؛ لأنه يفعل على وجه التعبد والأصل في العبادات الوقف على الدليل ، ولأنه يفعله معتقدًا استحبابه والاستحباب حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها لدليل صحيح صريح ، ولأن هذه السجدة لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع توفر أسبابها ، وكل فعلٍ توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركه ، فلو كانت هذه السجدة من الشريعة لبينها - عليه الصلاة والسلام - ؛ لأنه مأمور أمر إيجاب أن يبلغنا كل ما شرعه الله لنا ، فلما لم يبينها دل على أنها ليست من الشرع في شيء ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعلها فيما نعلم ، بل ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة أنه فعلها وإنما هي شيء استحسنه بعض الجهلة بعقله الفاسد والعقول لا تثبت أمور التشريع ؛ لأن الشرع مبناه على النقول لا على العقول ، ولا عبرة بفعل أحدٍ إذا كان مخالفًا للمعروف شرعًا ، بل ولا عبرة بسلام القصد إذا كان الفعل بدعة في الدين .

رسالة في التفريق بين أصل العبادة ووصفها · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة في التفريق بين أصل العبادة ووصفهاص ٥٦