فأجاب: الموازنة بين الحسنات والسيئات ليست بمشروعة في النقد وقد قال ث: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضَّرابُ للنساء"(1).
وقال: (وما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله)(2) ولم يذكر حسناتهم؛ إذاً فيؤخذ من هذا عدم لزوم مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ بل إنه من الأمر المحدث المبتدع وبالله التوفيق)(3).
كلمة أخيرة
أي أخي في الله، علينا أن نعرف الحق (الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة) ونترك العوج، ولِمَ!؟ وكيف؟ فإن الأهواء مالت بأهلها.
فإذا عرفنا الحقَّ سَهٌلَ علينا معرفة أهله، فالرجال يعرفون بالحقَّ بميزان الحقَّ، ولا يعرف الحق بالرجال، ولا يكون ذلك إلا بطلب العلم الشرعيَّ، على أيد أهله، وقراءة كتب السلف، وحفظها، وفهمها، وإلا فِمن أين لنا معرفة الحق؟! وخاصَّة في هذا الزَّمان الذي أصبح المسلم يقلَّبُ وجهه في السَّماء باحثاً عن نجم يضيءُ له الطريق، ويعين له الهدف، ويحدِّدُ له الإتجاه، لأن الجو قد تلبَّد بغيوم الأوهام التي أمطرت وابلها على الأرض المجدبة، فأنبتت لفيفاً من الأقوام المتصارعة(4) والأحزاب المتناحرة، الدعوات المتفرقة ذات المناهج المختلفة التي تدعي لنفسها السير على المنهج الصحيح.
وكل يدعي وصلاً لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
وأخيراً: أخي في الله, هذا غيضٌ من فيضٍ، ونقطةٌ من بحرٍ، ونماذجُ قد تغني عن أيِّ تعليقٍ، ولعل غيرك إن اطلع عليها، فإن كان غير منصفٍ فحسبه قوله فيها حق ولكن! ولكن ماذا(5)
(1) أخرجه مسلم برقم (1480).
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) " الفتاوي الجلية" (ص54).
(4) "الجماعات الإسلامية" سليم الهلالي (ص10).
(5) لعل قائلا يقول: وكيف نبني دولة الإسلام؟
فالجواب عليه بما سطَّره الإمام مالك رحمه الله: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، وكما قال إمام أهل السنة في عصرنا محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وجميع علماء أهل السنة: (إن الإسلام لن تقوم له قائمة إلا بطريقتين هما: التصفية، والتربية).
تصفية الناس من الشرك والخرافات وتربيتهم على التوحيد تصفيتهم من البدع والمحدثات، وتربيتهم على السنة، تصفيتهم من المعاصي وتربيتهم على الطاعات، وبهذا تجتمع قلوبُهم ويقيمون دولتهم وهذه هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال له المشركون: إن كنت تريد الملك ملكناك. فأبى واكتفى بالتصفية والتربية، لأنة إذا حكم بالإسلام قبل أن يربيهم عليه لن يقبل منه أحد بل سوف يتآمرون على قتله، وهذا النجاشي ذلك الرجل الصالح أسلم وهو يحكم دولة ومات وهو يخفي إسلامه، لماذا لم يحكم بدين الله مادامت الدولة بيده؟! بل لماذا لم يعلن إسلامه فضلاً من ان يحكم به؟! الجواب واضح وهو أن شعبه لم يتربَ على هذا الدين، والتربية تحتاج إلى وقت وفي المثل (صنعاء لم تبنَ في يوم)، وليس النجاشي وحده فقد ذكر الإمام البخاري في "صحيحه" ان هرقلاً وصله كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فعلم هرقل أنه نبي وجمع عظماء الروم وأمر بغلق الأبواب وقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فنفروا إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى تفرقهم وأيس منهم قال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيتُ. فسجدوا له ورضوا عنه!.
فتأمل أخي لماذا أغلق الأبواب! ولماذا عندما ذهبوا إلى الأبواب لكي يفتحوها غيَّر كلامه رغم أن الجيش بيده؟
فالجواب: حتى لا يخرج الخبر، فينتشر، ويغلب عليه شعبه.
ونرجع إلى سيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فنجده قد ربىَّ نفراً غير قليل من الأوس والخزرج، وبعث معهم مصعب بن عمير لكي يعلمهم دينهم ويدعو غيرهم إلى الله وبعد وقت غير قصير من التربية والتصفية أتاه الوحي، وأُذنَ له بالهجرة إالى المجتمع الجديد الذي قد تربى على دين الله، فرضوا به رسولاً وحاكماً، فأمرهم بالتَّآخي وأمرهم ببناء المسجد، وأمرهم بالجهاد، وانتشر دين الله في الأر ض، وهذا كله بعد التصفية والتربية. فهذا أخي في الله هو منهج الأنبياء الأصيل.
من لي مثل هاتك المدلل ... يمشي الهوينا ويأتي الأول
أخي في الله، كيف أصبح حالنا يوم أن تركنا هذا النهج الأصيل وراءنا ظهرياً فلنستفد من تجربة غيرنا فالسعيد من اتعظ بغيره فها هي الجزائر صعد الإسلاميون إلى السلطة عن طريق الإنتخابات وماهي إلا أيام قليلة وحصلت الاعتقالات وسفكت الدماء وانتهكت الأعراض- وأيضاً - وتركيا حصلت نفس الشيء ومازال يحصل في كثير من الدول العربية الإسلامية فهل تلك الدول هي كانت موجودة قبل الانتخابات التي تنعقد عليها الدول الكافرة؟!
وهل الكفرة ينفقون أموالهم لكي تقوم دولة إسلامية بهذه الطريقة؟!
الجواب- أخي في الله - يأتيك صريحاً من الله: (إنَّ الذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَّمْوَالَهُمْ لِيَصُدَّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ) جوابا كافيا شافياً فقد تقول - أخي- متى تقوم الدولة الإسلامية: أقول ذلك في علم الله والله – تبارك وتعالى- لن يسألك لماذا لم تقم الدولة ولكن سوف يسألك عن الطريقة التي سلكتها في هذه الحياة هل هي موافقة لشرع الله فإن كانت كما شرع الله فقد بلغت وأديت الذي عليك وإذا قلت كم سوف نظل نربي الناس؟ والجواب: (إلى أن يشاء الله ربي) والله لن يسألك كم ربيت؟ ولكن سيسألك عن الطريقة هل هي موافقة لما شرع أم لا؟ وإذا قلت: إن أعداء الإسلام سيمنعوننا من التصفية والتربية؟ والجواب ومن هذا الذي يريد أن يُربَّي الناس على دين الله دون أن يمنع ويحارب؟ والأنبياء كلهم نشروا دين الله تحت سلطة كافرة، ولكن كان النصر والتمكين لمن جمع الناس على دين الله على هدى من الله. إذاً فلا عبرة بقول القائل:
متى يبلغ البنيان يوماً تمامهُ ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ
اقول من كان حُجته الشّعر فيرد عليه بالشعرَ، قال الشاعر محمد الجبالي – حفظه الله -:
بلى يبلغ البنيان حتماً تمامه ... إذا كنت تبنيه بصبر وتحكم
فما دام أسُ البيت صلباً موطداً ... تعالى البنا رغم المعاولَ تهدم
وإن كان أسُ البيت هشًا مدعماً ... بعاطفة الأحداث خرَّ يدمدم(1)
وإن كان أسُ البيت قولاً مزيَّناً ... تهاوى البنا رغم الهتاف يحمحم(2)
ولو زنت أسباب البلايا فلن تجدَ ... كمثل الحماس الفج داء يُداهمُ
ومن كانت التقوى أساس بنائه ... فما ضره كيدٌ ورجمٌ ودمدَمُ
كذا أنبياء الله كانت حياتهم ... جهاداً وصيراً لا يكلُّ ويسأمُ
فقام البنا رغم المكائد شامخاً ... ونور السَّما تبغي علاه وأنجم