تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يوما مشمسا ، والوجوه عابسة .. كنت وإخوتي كحفاري قبور..

لم نعرف كيف نبدأ كل له رأي وكل يتكلم ولكن ليس بينهم أبو محمد..!!

استكملنا إجراءات استخرج الجثة ومن ثم توجهنا للثلاجة..

كانت سيارة الإسعاف التي ستنقل الوالد جاهزة ومفتوحة الأبواب..

قادنا عامل بنغالي يحمل بيده نقالة صغيرة..

لم يظهر عليه أثر الخوف والتردد مثلنا!!!

كانت أمامه ثلاثة أبواب حديدية ضخمة..

فتح احدها فخرج منها تيار هوائي بارد للغاية..

ويا للمنظر الموحش..

أكثر من مئة جثة قد رصت بشكل فوضوي ..

دخل العامل للداخل فلحقته لوحدي .. ثم تتابع من جرؤ ورائي..

كانت بقع الدماء تملاء المكان ..

والجثث موضوعة في أدراج كأدراج الكتب والإضاءة خافته للغاية ..

بحث العامل في الأرقام وعيوننا جميعا تسير معه..

وأخيرا أشار لأبي.. وقال هذا هو ..!! دونكموه!!

اقتربنا من الوالد كان رحمه الله دقيق الجسم .. قليل اللحم ... رأيت يده فعرفتها..

أذكر أن أعمامي وإخوتي انكبوا على يده فقبلوه

لم يجرؤ أحد على رفع غطاء الوجه..

فقد كان الدم يغطيه بشكل مخيف..

وعلى جوانب النقالة سقط الدم..

كانت يده بارزة وتلمع فيها أزرار كم الثوب الحديدية..

وكان ثوبه أسودا كما تركته بالأمس..

لو لم أرى الدماء لظننته نائما رحمه الله فقد كانت كهيئته في ذلك كما عرفته..

أذكر مرة أنني في صغري وأنا لم أتجاوز الثمان سنوات ..

أنني دخلت على الوالد .. وكان نائما في صالة بيتنا القديم..

كان مهيبا ولا يجرؤ أحد على إزعاجه...

لكنني جرؤت حينها ووضعت راحة يدي على بطن قدمه وأريد مداعبته..

عندها استفاق الوالد ونظر من حوله فحين رآني لفحني بالمخدة وقال لي ياشقي!!

ها أنا الآن بعد أكثر من عشرين سنة أحمله جثة هامدة ...

أخرجناه وتوجهنا به للمغسلة.. وكانت على مسافة بعيدة..

دخلت مع عمي للمشاركة في التغسيل ..

كنت أتساءل .. هل أنا أحلم؟؟ ألم أكن بالأمس معه أتحدث !!

ما أرهب الموت وأعظم ترويعه..

رحلتي إلى النور · الصفحة ٢٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رحلتي إلى النورص ٢٥٧