كنت اقترب من وجهه ولا أقدر أنظر إليه .. ولكنني أخيرا رأيته..
خاطبته كثيرا وقبلته ودعوت له..
كانوا يقلبونه يمينا وشمالا كدمية !!
وبالأمس لا يجرؤ أحد أن يقاطع حديثه!!
كان سيدا مطاعا في أولاده وعماله وخدامه وزوجاته واليوم هو جثة هامدة!!
كان يستنشق الهواء ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق والآن يلف بخرقة !!
شقت السنون والهموم في وجهك ياأبي سنون طويلة..
والآن نم قرير العين مطمئنا ( بإذن الله)
ياأبي لكم تمنيت في تلك اللحظات أن أكون فدائك.. ولم تصب بخدش!!
ارحل فقد تركت في القلوب جروحا لن يمحوها الدهر لفراقك رحمك الله..
يا أبي لو علمت كيف أصبح حالنا من بعدك ..
تشتت حالنا ، وتبدلت القلوب ، وثقل حملنا من دونك
حملناه للحرم الشريف ووضع الوالد بين يدي الشيخ أسامة بن خياط..
فكبر الشيخ ،فكبر خلفه مئات الآلاف من المصلين .. وسيشفعون له إن شاء الله
حينما وصلنا للمقبرة ظننت أن هناك جنازات أخرى غير جنازتنا
فقد هالني الحشد الكبير من الناس..
أناس جاءوا من كل مدن المملكة من أصحابه وأحبابه وأقاربه بل وحتى طلابه..
لقد مكث الوالد في التعليم خمسة وثلاثين سنة.. حتى تقاعده..
صلوا عليه الجنازة مرة أخرى ثم وضعته وإخوتي في قبره الملحد..
حاولت أن أكشف وجهه لأقبله ولكن ضيق القبر حال عن ذلك..
ردمناه بالتراب .. ونفضنا أيدينا .. وانتهى كل شيء..
مرت من تلك اللحظات حتى آخر لقاء معه بالأمس حوالي أربعة وعشرون ساعة..
سبحان الله ما أغرب صروف الحياة..
أسأل الله تعالى أن يجعله
في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
اللهم اغفر لأبي زلله وخطأه وتجاوز عن سيئاته واجعل قبره روضة من رياض الجنة..
انتهى الفصل الثالث..
في وداع والدي أبي محمد الفصل الرابع
انتهت أيام العزاء المعروفة...
بالنسبة لمن جاء معزيا فقد أدى الواجب وانتهى كل شيء..
أما لأهل الفقيد فالحال مختلف كليا..