نشأ يتيم الأبوين، إذ توفيت والدته سنة 1310هـ وعمره أربع سنين، وتوفي والده وعمره سبع سنين سنة 1313هـ فكفلته زوجة والده ـ رحمها الله ـ وأحبته أكثر من أولادها، ورعته حتى شبَّ، ثم انتقل إلى بيت أخيه الأكبر حمد " فقام برعايته وتربيته. وكان حمد رجلاً صالحاَ وهو من حملة القرآن ومن المعمرين".
ولقد كان والد الشيخ عبد الرحمن من العلماء، وإماماً لمسجد المسوكف بعنيزة، وكان قد وصى ابنه حمداً برعاية أخيه الأصغر الشيخ عبد الرحمن.
وقد كانت نشأته مثاراً للإعجاب والدهشة، ولفت الأنظار لذكائه ورغبته الشديدة في طلب العلم، كما كان محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة، حتى إنه خرج لصلاة الفجر صباح سطوة آل سليم، وكان عمره خمس عشرة سنة، وكان القصر فيه الرماة، وكان الناس متحصنين في منازلهم خوفاً على أنفسهم فقابل بعض الناس فخاطبوه، فقالوا: إلى أين تريد الذهاب؟ فقال: لصلاة الفجر!! فضربه حتى ألجأه إلى الانصراف إلى بيته، وعلى هذا كان حرصه على ألاَّ تفوته صلاة واحدة في أشد الأزمات في عصره.
طلبه للعلم:
كما ذكرنا في نشأة الشيخ من حرصه على طلب العلم الشرعي، فقد حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل تمام الثانية عشرة من عمره، واهتم بطلب العلم على علماء البلاد المجاورة لها، كما كان يستفيد من العلماء الذين يفيدون، ومن يريدون إلى بلده، كما جعل أوقاته كلها في تحصيله للعلم، حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكاراً، حتى أدرك في صباه من العلم ما لا يدركه غيره في زمن طويل.
وقد كان لا يصرفه عن حلق الذكر ومجالس الدرس أي صارف ولا يرده عن الدروس أي راد، إلا ما يكون في حال الضرورة، كما تعلم القراءة والكتابة في سن مبكرة، ثم انكبَّ على العلم وانقطع له، ولم يشتغل بأي من الأعمال التجارية حرصاً على طلب العلم.
ولما لاحظ أقرانه في طلب العلم تقدمه عليهم، ونبوغه المبكر تتلمذوا عليه، وبدأوا يأخذون عنه العلم، وما إن تقدم به طلب العلم حتى فتح الله عليه آفاق العلم فخرج عمَّا اعتاد عليه علماء بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إذ تطلَّع إلى كتب متعددة من تفسير وحديث وغيره، وعني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وسار على نهجهما في اتباع الأدلة والاستنباط.
وكان من شدة طلبه للعلم أن قرأ على مشايخ عصره في علم الحديث والمصطلح والأصول والفروع والتفسير وأصول الدين وعلوم العربية، وأكبَّ على المطالعة في كتب الفقه والحديث طيلة حياته، وكان يحفظ كثيراً من المتون العلمية، كما كان واسع الاطَّلاع في كل جانب من جوانب الحياة التي تتعلق بحياته وحياة الناس، ليعرف حالاتهم، وليكون عنده الدراية الواعية التي يتمشى بها في حياته. ولا أدلَّ على حرصه على طلب العلم من المؤلفات التي أورثها وتداولها طلبة العلم من بعده.
وكان يميل كثيراَ إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولهذا جاء من تأليفه في التفسير والحديث وغيره وردٌ لا ينضب من العلم ورفد لا يشح على متتبعٍ مؤلفاته.
منذ أن تربى وترعرع، كما كان صالحاً محافظاً على قواعد الدين ومحباً للخير والإحسان إلى الفقراء والضعفاء، كان ذكياً محباً للمناقشة ومتواضعاً وطيب الأخلاق في معاملته للصغير والكبير والغني والفقير، وكان ورعاً زاهداً، عُرض عليه القضاء سنة (1360هـ