قال الباطرقاني: وكنت مع أبي عبد الله في الليلة التي توفي فيها، ففي آخر نفسه قال واحد منا: لا إله إلا الله – يريد تلقينه – فأشار بيده دفعتين ثلاثة، أي: اسكت يُقالُ لي مثلُ هذا؟!.
وروى يحيى بن مندة في "تاريخه" عن أبيه وعمِّه: أن أبا عبد الله قال: ما افتصدت قطُّ، ولا شربت دواءً قطُّ، وما قبلت من أحدٍ شيئاً قطُّ. سير أعلام النبلاء (17/ 38).
وصية الإمام ابن الجوزي
رحمه الله إلى ولده
وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في رسالته اللطيفة "لفتة الكبد في نصيحة الولد"، متحدثاً لولده عن نشأتهِ ومبتدأ حاله:
"واعلم يابُني، أن أبي كان موسراً وخلف ألوفاً من المال، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودينارين، وقالوا لي: هذه التركة كلها، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم، ولم يبقى لي شيء من المال، وما ذَلَّ أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان من الوعاظ، ولا بعث رقعةً إلى أحد يطلب منه شيئاً قطُّ، وأموره تجري على السداد، ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. الطلاق الآية (3).
فاجتهد يابُني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذُّلِّ لأهلها، واقنع تُعَزّ، فقد قيل: من قنع بالخبز والبقل لم يستعبدهُ أحد، ولقد كنت أُصبح وليس لي مأكل، وأُمسي وليس لي مأكل، ما أذلَّني الله تعالى لمخلوق قط، ولكنه ساق رزقي لصيانة