وقال الحافظ الذهبي في " تذكرة الحافظ " في ترجمة الحافظ الجوال صاحب التصانيف أبي عبد الله بن منده " محمد بن إسحاق "،
" ولد أبو عبد الله سنه (310) وتوفي سنه (395) رحمه الله تعالى، وعده شيوخه الذين سمع منهم وأخذ عنهم ألف وسبع مئة شيخ، وكتب بيده عدة أحمال. ولما رجع من رحله طويلة كانت كتبه عدة أحمال حتى قيل إنها كانت أربعين حملاً، وما بلغنا أن أحداً من هذه الأمة سمع ما سمع ولا جمع ما جمع، وكان خاتم الراحلين وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف، قال جعفر المستغفري: سألته كم تكون سماعات الشيخ؟ قال: تكون خمسة آلا ف صن. قلت ـ القائل الذهبي ـ: والصن يجيء عشرة أجزاء كبار.
وأول ارتحاله كان قبل سنه (330) إلى نيسابور، قال الحاكم: التقينا ببخاري سنه (361) وقد زاد زيادة ظاهره ثم جاءنا إلى نيسابور سنه خمس وسبعين ذاهباً إلى وطنه، فرحل وعمره عشرون سنه ورجع وعمره خمسة وستون سنه، وكانت رحلته (45) سنه ثم عاد إلى وطنه شيخاً فتزوج وهو ابن (65) سنه، ورزق الأولاد وحدث بالكثير.
قال ابن منده: طفت الشرق والغرب مرتين، وقال أبو زكريا بن منده: كنت مع عمي عبيد الله في طريق نيسابور، فلما بلغنا بئر مجه حكي لي عمي، قال: كنت قافلاً عن خراسان مع أبي فلما وصلنا إلى هنا إذ نحن بأربعين وقراً من الأحمال، فظننا أن ذلك ثياب فإذا خيمه صغيرة فيها شيخ وإذا هو والدك! فسأله بعضنا: ما هذه الأحمال؟ فقال: هذا متاع قل من يرغب فيه في هذا الزمان هذا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم كر لي عمي بعد ذلك، فقال: كنت قافلاً في خراسان ومعي عشرون وقراً من الكتب فنزلت فيها عند البئر اقتداء بالوالد. صفحات من صبر العلماء (ص65ـ 66).