أولئك أهدى في الطريقة منكم فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي
وشتان ما بين المقلد في الهدى ومن يقتدي والضد يعرف بالضد
فمن قلد النعمان أصبح شاربا نبيذا وفيه القول للبعض بالحد
ومن يقتدي أضحى إماما معارف وكان أويسا في العبادة والزهد
فمقتديا بالحق كن لا مقلدا وخل أخا التقليد في الأسر بالقد».
وقال العلامة الشوكاني في "أدب الطلب" ص(63): «قد علمتم أن اشتغال أهل هذا العلم به أعظم من اشتغال أهل سائر الفنون بفنونهم، تنقيحهم له وتهذيبه، والبحث عن صحيحة وسقيمة، ومعرفة علله، والإحاطة بأحوال رواته، وإتعاب أنفسهم في هذا الشأن ما لا يتعبه أحد من أهل الفنون في فنونهم، حتى صار طالب الحديث في تلك العصور لا يكون طالباً إلا بعد أن يرحل إلى أقطار متباينة، ويسمع من شيوخ عدة، ويعرف العالي والنازل، والصحيح وغيره على وجهه لا يخفى عليه مخرج الحرف الواحد من الحديث الواحد، فضلاً عن زيادة على ذلك، فمنهم من يحفظ إلى مائة ألف حديث، إلى خمس مائة ألف حديث، إلى ألف ألف حديث هي على ظهر قلبه، لا تخفى عليه منها خافية، ولا يلتبس عليه فيها حرف واحد، ومع هذا الحفظ والإتقان في المتون كذلك يحفظون ويتقنون أسانيدها على حد لا يخفى عليهم من أحوال الرواة شيء، ولا يلتبس عليهم ما كان فيهم من خير وشر، وجرح وتعديل، ويتركون من وجدوا في حفظه أدنى ضعف، أو كان به أقل تساهل، أو أحقر ما يوجب الجرح، وبالجملة فمن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبق عنده شك أن اشتغال أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم، ولا يقاربه، بل لا يعد بالنسبة إليه كثير شيء، فإن طالب الحديث لا يكاد يبلغ من هذا الفن بعض ما يريده إلا بعد أن يفنى صباه وشبابه وكهولته وشيخوخته فيه، ويطوف الأقطار، ويستغرق بالسماع والكتب الليل والنهار».