قال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (3/418) في الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ...﴾ [الأنبياء: 78]: «وهكذا ما ذكره أهل العلم في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب؟ أو الحق مع واحد؟ وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيباً فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها، بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - مخطئاً، فكيف يقال: إنه مصيب لحكم الله، موافق له؟! فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه - عز وجل - على اجتهادات المجتهدين، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وأيضا: يستلزم أن تكون العين التي اختلف اجتهاد المجتهدين فيها بالحل والحرمة حلالاً حراماً في حكم الله سبحانه، وهذا اللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله.
وقال أيضا في "إرشاد الفحول" (2/1070): «فمن قال: كل مجتهد مصيب, وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأً بيناً، وخالف الصواب مخالفة ظاهرةً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المجتهدين قسمين: قسماً مصيبا، وقسماً مخطئا، ولو كان كل واحد منهم مصيباً لم يكن لهذا التقسيم معنى، وهكذا من قال: إن الحق واحد مخالفه آثم، فإن هذا الحديث يرد عليه رداً بيناً، ويدفعه دفعاً ظاهراً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى من لم يوافق الحق باجتهاده مخطئاً، ورتب على ذلك استحقاقه للأجر، فالحق الذي لاشك فيه ولا شبهة أن الحق واحد، ومخالفه مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه، ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهداً»