وبعض ملوك الهادوية اتخذ طريقاً أخرى لامتهان القبائل، ومن ذلك ما فعله الملك يحيى بن حميد الدين، قال الأكوع في "هجر العلم" (3/1729-1730) في ترجمته له: «وكان أشد ما يخشاه من القبايل الكبيرة: هو خلوها مما يكدر صفو حياتها، ويقلق بالها، خشية أن تقوم هي أو بعض بطونها بإثارة الفتن والقلاقل، فيضطرب الأمن على الإمام، ويسود الفساد، فيصعب عليه إخماده، ولهذا ما كاد يستقر في صنعاء سنة (1337هـ) حتى فكر في إيجاد ما يشغل القبايل ويلهيها، ولو بمشكلات داخلية، فأرسل جنوداً إلى قبيلة حاشد لإلزامهم بتزويج بناتهم بشبابهم، ولما لم يكونوا كلهم قادرين على دفع تكاليف الزواج لفقر أكثرهم فقد أرسل كمية من المال قرضاً لهم ليتمكنوا من الزواج، وأرسل مع هذا المال عدداً من الفقهاء ليتولوا تنفيذ مراسيم الزواج، وكتابة عقوده، وتسجيل من تم تزويجه منهم، وظلت هذه الحملة أشهراً، حتى لم يبق في القبيلة من يحتاج إلى الزواج، وأمهلهم الإمام عاماً، ثم أرسل عليهم حملة أخرى من الجنود بقيت بين أظهرهم أكلاً وشرباً حتى استعادت ما عليهم من دين للإمام بعد أن أنهكت قواهم، واضطر أكثرهم إلى بيع ما يملك من مزارع، أو غنم، أو بقر، لتسديد ما عليه من المال»
المجازر التي وقعت على اليمنيين من قبل أئمة الهادوية
إن من أعظم ما يبتلى به بعض الناس: الداء الخفي، وهو حب الزعامة، وتقوى هذه النزعة إذا وجدت الدواعي إليه، وهذا الصنف بسبب هذه النزعة يهلك الحرث والنسل ليتوصل إلى الإمامة، واعتبر بمن بدأ بهذه الدعوة في اليمن ألا وهو الهادي، فقد ذكرنا بوائقه ومجازره بسبب ذلك في (الفصل الثالث)، فكانت فاتحة كل شر، وباباً لكل ظلم، فهو قدوة دعاة الإمامة في اليمن التي لم تبق ولم تذر، وهذا شروع في ذكر بعض المجازر المشار إليها: