ومن أجل أن يزداد علمك ببطلان هذه المقولة، وعظيم الانحراف في معتقدها: اعلم أنها مبنية على أن الإيمان والإسلام يذهب كله عند حصول ارتكاب الكبيرة، وقد صرح بهذا من صرح من المعتزلة، وعليه فالمحكوم عليه بالمنزلة بين المنزلتين هو مُكفِّر عندهم، لأنه قد ذهب منه الإيمان والإسلام, وقد ظهرت هذه الحقيقة في حكم المعتزلة على المسلم في الآخرة حيث حكموا بتخليده في النار أبد الآبدين، ومعلوم أنه لا يخلد فيها أبدا الآبدين إلا المشرك والكافر، فوافقوا الخوارج في لازم قولهم بالمنزلة بين المنزلتين بتكفير عصاة المسلمين في الدنيا، كما حكموا عليهم بذلك تصريحاً في الآخرة.
فالمعتزلة اختصت من بين كافة الفرق والأحزاب بالمنزلة بين المنزلتين، وتبعها على ذلك بعض الزيدية والهادوية، مع أن الهادي في مسألة (الوعيد) هو تكفيري على طريقة الخوارج كما أوضحنا هذا غاية الإيضاح في فصل (تكفير الهادي وأتباعه للمسلمين).
الفصل الخامس:
شذوذ الهادي
عما عليه الفرق الضالة
إن انحراف الهادي لم يقتصر على ما عند الفرق الضالة من الانحراف، بل تجاوز ذلك، ولهذا رأيت أن أعقد فصلاً بالعنوان المذكور، فمن ذلك:
الهادي يرى أن الكرسي والعرش هما الله
تقدم بيان فساد القول بأن العرش والكرسي هما الملك، أو العلم، وأن الهادي من جملة من قال بذلك، ولم يقف الهادي عند هذا القول، ولكن ذهب إلى تفسير العرش والكرسي بما هو أبعد مما سبق، وإليك ما قاله كما في "مجموع رسائله" ص(210): «إن المعنى في العرش والكرسي والوجه سواء، ليس بينهما فرق، والمعنى فيها واحد، فنقول: إن معنى الوجه في الله: هو الله، ومعنى الكرسي في الله: هو الله, ومعنى العرش في الله: هو الله، لا شك في ذلك عندنا، ولا ارتياب فيه».
وقال: بل نقول: «إن الله لم يزل ذا عرش عظيم، يريد بذلك العرش العظيم، الله العظيم». "مجموع الرسائل" ص(216).