وسبب نشأة هذه المقالة الباطلة: أن الخوارج كفروا عصاة المسلمين، وهذا إفراط، فجاءت المرجئة فقالت: لا يضر مع الإيمان معصية, وهذا تفريط، فجاءت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين, وقد صار أتباع الهادي على هذه العقيدة، يعرف ذلك من كتب عقائدهم المطولة والمختصرة، والأدلة الدالة على بطلان هذه المقالة من القرآن والسنة كثيرة: قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴿9﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴿10﴾ [الحجرات: 9-10]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130], وفي البخاري رقم (6534) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» أفادت هذه الأدلة: أن وقوع المسلم في البغي على أخيه، أو في الربا، أو في غير ذلك من المعاصي لا تخرجه من الإيمان والإسلام، فيقال: مؤمن عاص، ومسلم فاسق، وعلى هذا نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم:
قال ابن الوزير في "العواصم والقواصم" (9/231): «وأجمعوا على أن صاحب الكبيرة تصح منه جميع العبادات، وأنها لا تصح إلا من مسلم، وفي هذا رد قول الخصوم: إن صاحب الكبيرة غير مسلم، ولا مؤمن».