ومن مفاسد التعرية وذكر الأسماء أن ذلك يحول أنظار المدعوين من تأمل الفكرة إلى تأمل حال الشخص، وهل ما يقوله عنه صحيح أم لا؟ وهنا تضيع الفكرة نفسها، ولا يحصل مقصود الشريعة في إظهار الحق وإزهاق الباطل.
هذا في الأحوال العادية ومع مدعو محايد، أما إذا كان توجيه الدعوة إلى أتباع صاحب الفكرة المنحرفة فسيكون انشغالهم بصاحبهم عن تفهم دعوة الحق مانعاً من سماعها؛ حيث تتقوى العصبية لمتبوعهم؛ بل لا يفرق كثير من الأتباع بين أشخاصهم هم وشخص متبوعهم، وحينئذ تكون فكرة الداعية أكثر ضياعاً وتشتتاً واشتباهاً.
وليس للمسائل المستثناة التي يكون التنفير من المخالف فيها جائزاً، أو ممنوعاً ضابط محدد ينتظم جميع الأحوال؛ إلا قواعد المصالح والمفاسد التي يُنظر فيها إلى اعتبارات كثيرة؛ منها درجة الخلاف قوة وضعفاً والزمان والمكان والأشخاص وحال المُنْكِر نفسه، وحال المخالف وأتباعه، وأثر تعريته على الناس سلباً أو إيجاباً، وقوة أهل الحق وضعفهم.
ومما يضبط هذه المسألة أن يوكل هذا إلى علماء السنة الراسخين، وأن لا يتصدى لها غيرهم إلا بمشورة أولئك العلماء؛ لا أن يستبد الواحد من طلاب العلم بذلك، لما له من أثر خطير في شق الصف، وتمزيق الأمة، وتضييع المصالح والحقوق.
ويُفيد طالب العلم من العلماء وزن المسألة من الناحية العلمية، ودرجة سهولة الخلاف أو عظمه، ووسائل التبيين، والموازنة بين مصلحة التسمية والتعيين ومفسدتهما؛ فكم عُيِّن المخالف؛ فكان ذلك سبباً لمفسدة أعظم بالمزيد من الفرقة، أو مفسدة أخرى هي إشهار مخالف مغمور.
وقد جاء في "الإبانة الكبرى" لابن بطة عن عبدالله بن مسعود قال: (إن ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون في الفرقة).
والمعنى أن المرء في حال الاجتماع يكره من البعض منكراتهم ومخالفاتهم، ولكن احتمالهم رغم مخالفتهم رعاية للاجتماع خير مما تحبه من مقاطعتهم لأجل هذه المخالفات.