تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلا الطرفين قد قلب المنهج الشرعي الصحيح؛ فالأولون جعلوا الأشخاص محورا للرد؛ ولو بالعدوان عليهم، وارتكاب مفاسد أعظم بحجة رعاية المنهج، والآخرون جعلوا الأشخاص محورا للرعاية أو المجاملة؛ ولو على حساب المنهج.

فصار الأصل ـ عند كلا الطرفين ـ استثناء والاستثناء صار أصلاً؟

والمنهج الصحيح ما ذكرناه من العناية ببيان العلم، والقيام بمهام التربية، وأن يكون الأصل مع المخالفين الرد على أفكارهم ونقض أقوالهم دون مواربة، مع عدم التعرض لأشخاصهم إلا في استثناءات نادرة، شرطها أن لا تعود على الأصل بالإبطال.

قال الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (6/ 485): ( .. كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم والناس بعدهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلّم ربه في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة؛ كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمداً رأى به فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعاً).

كان وضوحاً في الطرح، وبعدا عن المقاطعة.

إن المنهج في بيانه ونصرته لا يحتاج إلى معركة تستهدف الشخص؛ إلا إذا جاء ذكره تبعاً لنقض قول المخالف، دون مفاسد أكبر.

كما أن الشريعة قد جعلت لفطنة أتباعها بعد عملية التعرية المنهجية هامشاً يتحركون فيه للحذر من تأثير الطرائق المنحرفة.

وأعظم شبهة للمبالغين في منهج إسقاط المخالف وتعريته هي ما يرونه من خطر تغريره بالناس، وتأثرهم بمنهجه؛ فلا سبيل إلى رد باطله إلا بهذا المنهج.

وانتهاج هذه الطريقة يعكس عند صاحبها إحباطاً، أو قلةً في الثقة في حجته، أو ضعفاً في قدرته على إقناع الناس بصحتها.

وإلا فإن أعظم حصار لفكرة المخالف إنما تكون في بيان العلم بالحجة والبرهان، ولهذا كانت الغالبة في الكتاب والسنة؛ فكان المنهج الظاهر الأكثر: هو تعرية المنهج؛ دون اعتبار للأشخاص.

قواعد فقه التعامل مع المخالفين · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قواعد فقه التعامل مع المخالفينص ٥٤