…إذا لم يجد المكلف من يفتيه في واقعته يسقط عنه التكليف بالعمل إذا لم يكن له به علم، لا من اجتهاد معتبر ولا من تقليد، لأنه يكون من باب التكليف بما لا يطاق، ولأن شرط التكليف العلم به، وقياساً على المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة وتكافأت فلم يمكنه الترجيح، ويكون حكمه حكم ما قبل ورود الشرع، وكمن لم تبلغه الدعوة (2).
…وقال ابن القيم: في المسألة قول آخر، أنه يخرّج حكمها على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة، وفيها الأقوال: أنه يأخذ بالأشد، أو بالأخف، أو يتخير. ثم قال: والصواب أن عليه أن يتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله ويتقي الله، قال: وقد نصب الله تعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوّ بين ما يحبه وما يسخطه من كل وجه، بحيث لا يتميز هذا من هذا، والفطرة السليمة تميل إلى الحق وتؤثره، فإن قُدّر ارتفاع ذلك كله يسقط عنه التكليف في هذه الواقعة وإن كان مكلفاً بالنسبة إلى غيرها(3).
معرفة المستفتي حال من يستفتيه:
…يجب على المستفتي إن وقعت له حادثة أن يسأل متصفاً بالعلم والعدالة.
(1) …المجموع للنووي 1/54، وانظر الموافقات للشاطبي 4/261.
(2) …الموافقات 4/291، والمجموع للنووي 1/58.
(3) …إعلام الموقعين 4/219.
86
…قال ابن عابدين نقلاً عن الكمال بن الهمام: الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه منتصباً والناس يستفتونه معظمين له، وعلى امتناعه من الاستفتاء إن ظن عدم أحدهما أي عدم الاجتهاد أو العدالة(1).
…وقال النووي: يسأل المستفتي من عرف علمه وعدالته، فإن لم يعرف العلم بحث عنه بسؤال الناس، وإن لم يعرف العدالة فقد ذكر الغزال فيه احتمالين، أحدهما: أن الحكم كذلك، وأشبههما: الاكتفاء، لأن الغالب من حال العلماء العدالة، بخلاف البحث عن العلم فليس الغالب من الناس العلم(2).