أنا أحدثكم قصصا كثيرة، لكن أرسلنا شابا عراقيا اسمه أبو عاصم - معه توجيهي ثانوية عامة - من حفظة كتاب الله، صوته ندي، تسمع منه القرآن كأنما يتنزل الساعة من السماء، ذهب عند أبرز قائد في أفغانستان (أحمد شاه مسعود)، قال: يا أحمد شاه، قال: نعم. قال: أعطني ثلاثين قائدا من قادتك أربيهم على القرآن الكريم! إختار له قادة، روسيا تهتز عندما تذكر أسماؤهم، والله هذا واحد اسمه جادا، وواحد اسمه بانا، وواحد اسمه مسلم، وواحد اسمه سيد يحيى، هذا (بانا) قبل تسعة أشهر يرسل له نجيب (رئيس الجمهورية) رسالة؛ يا بانا: خفف عنا الضربات ونحن نعطيك ما تشاء، لأنه دمر هو وفئته حوالي خمسمائة دبابة في ممر سالنج، فمكث معهم أبو عاصم حوالي سنة (من رمضان إلى رمضان)، في رمضان 1406 خططوا لمعركة في (أندرآب)، استأذن أبو عاصم من أحمد شاه أن يشترك فأذن له قال: إئذن لي أن أنسف باب القلعة التي نهاجمها، قال: لك ذلك، سجل الأسماء صفي الله أحد قادة أحمد شاه، سجل الأسماء، كل واحد وبلده فلان، بدخشان، وفلان بغلان، فلان قندوز، أبو عاصم العربي، كتب بجانب أبا عاصم بلده شهيد، فجاء عبد الله أنس (عربي ثان) قال: يا صفي الله قال: نعم، قال: أنت مستعجل على واحد منا، نحن اثنين تريد أن تأخذ واحدا مستعجل عليه؟ قال: والله ليقتلن هذا اليوم، قال له: أنت تتألى على الله؟ أتعلم الغيب؟ قال: لا أعلم الغيب، لكن والله لن يرجع، والله لن يرجع، والله لن يرجع إلا شهيدا، أنا لا أعلم الغيب، لكن أنت أعمى؟ ألا ترى نور الشهادة بين عينيه؟ وتحركت السرية، مائة وسبعة عشر ... منهم أبو عاصم وشاه قلندر، الإثنان صائمان، والبقية أمرهم أحمد شاه أن يفطروا لأن الفطر أقوى لهم، ونسف أبو عاصم باب القلعة، وانهارت القلعة، وانهار جزء من الجدار، وانهارت معنويات الكفار، ودخلوا، وجاءت الرصاصة التي نقلت أبا عاصم إلى ربه، الشهيدان الوحيدان هما الصائمان: شاه قلندر وأبو عاصم، وعندما رجع أبو عاصم الى القاعدة شهيدا، ما كاد قادة أحمد شاه مسعود يطيقون رؤية أبي عاصم شهيدا، ما كادت نفوسهم ولا خيالهم أن يحتمل أن يروا معلمهم شهيدا، حفر أحمد شاه قبره بيده ودفنه، وبدأت الذكريات تثير الأشجان، يجلسون بعد صلاة الصبح الى جلسة القرآن كما علمهم أبوعاصم، وينظرون فيجدون مكان (قاري سيب) خاليا فيبكون ويقومون.
قاري سيب يعني: قاري محترم، يجلسون للطعام، هذا صحن القاري سيب - أبو عاصم -، فأين أبو عاصم؟! ينامون ... هذا سرير أبي عاصم خاليا، يقض عليهم مضاجعهم، يؤرق أجفانهم، خاف أحمد شاه أن تجن القاعدة كلها عندما قتل أبو عاصم، اضطر أن ينقلهم على بعد ثلاثين كيلو متر حتى ينسيهم ذكريات أبي عاصم، كم عمر أبي عاصم؟ اثنتان وعشرون سنة.
أقول لأحدهم من أركان أحمد شاه مسعود اسمه قاضي مظلوم: يا قاضي مظلوم كيف كان أبو عاصم فيكم؟ قال: ما رأيت رجلا أكثر منه مهابة أبدا، والله ما كان أحدنا يجرؤ أن يمزح أو يهزل أو يبتسم أو يضحك أو يمد يده أو رجله أو يعبث بلحيته أمامه أبدا، من هؤلاء؟ من هؤلاء الذين هزوا روسيا؟ حتى الآن كلما دخلوا معركة ... اللهم ألحقنا بأبي عاصم!!.
وأرسلنا مكانه شابا جزائريا خريج المدينة المنورة الجامعة الأسلامية، من حفظة القرآن، صوته ندي، وبدأ يحدث ويعلمهم القرآن، وقال لأحمد شاه: سلمني مجموعة من قادتك حتي أربيهم على القرآن، سلمه تسعين قائدا، مكث معهم ثلاثة أشهر، بين الثلوج، يبدأ يومه بصلاة الفجر وينتهي بصلاة العشاء، القرآن، التفسير، الحديث، متن الجزرية.