ويضيف باختين، أن هذه الأصناف الثلاثة تتشابك داخل نسيج الخطاب الأدبي ولايمكن الفصل بينها إلا بصورة نظرية(51).
ويعد باختين التهجين اللاإرادي واللاواعي العامل الأساس في التطور والتغير التأريخي للغة، أما التهجين الأدبي، فهو تهجين واع وقصدي ويعرفه بأنه المزج بين لغتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضاً التقاء وعيين لسانيين مفصولين بحقبة زمنية [وبفارق] اجتماعي أو بهما معاً، داخل ساحة ذلك الملفوظ"(51). ويمكن أن نعد التضمين في الشعر أو الاقتباس من القرآن والحديث مثلاً ساطعاً على التهجين، سواء وضع المقتبس بين معقوفتين كما هو الأمر في قول أمل دنقل في قصيدته "من مذكرات المتنبي":
"عيد بأية حال عدت ياعيد
بما مضى؟ أم لأرضى فيك تهويد
"نامت نواطير مصر" عن عساكرها
وحاربت بدلاً عنها الأناشيد"
أو أغفل الشاعر أو الكاتب علامات التنصيص. كما هو الأمر في قول عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته "نبوخذ نصر":
"من أين، من أين تجيء؟ أيها المدثّر
هذا أوان السيل/ قم فأنذر
وهذا حديث ربك/ الأرض التي أنت عليها... دنست/ فطهر".
أما الإضاءات المتبادلة المصاغة داخلياً في حوار، فهي لدى باختين على نوعين، الأسلبة، والتنويع، وهنا، "لايكون هناك توحيد مباشر للغتين داخل ملفوظ واحد. وإنما هي لغة واحدة محينة وملفوظة، إلا أنها مقدمة على ضوء الأخرى. وهذه اللغة الثانية تظل خارج الملفوظ ولاتتحين أبداً(53). وتتميز (الأسلبة عن الأسلوب المباشر، بذلك الوعي اللساني (عند المؤسلب المعاصر وعند قرائه"(54)، الذي يعاد على ضوئه خلق الأسلوب المؤسلب ومن خلاله يكتسب دلالة وأهمية جديدتين"، ويمكن أن نستشهد بمقطع من قصيدة "أغنية حب" لصلاح عبد الصبور على الأسلبة، حيث نجد لغة وأسلوب معاصرين تماماً، ولكن أسلوب "نشيد الإنشاد" في التوراة يطل واضحاً من بين كلمات الأغنية:
"وجه حبيبي خيمةٌ من نور
شعر حبيبي حقل حنطة
خدا حبيبي فلقتا رمان
جيد حبيبي مقلع من رخام