ويمكن القول نفسه على الصورة التي يقتبسها الشاعر من القرآن الكريم، إذ يقول في القصيدة نفسها:
"الليل كتنور من أشباح البشر
خبز يتنشق نيرانه
والضيفة تأكل جوعانة
من هذا الزاد... ومرجانة
كالغابة تربض بردانة".
إذ يعمد الشاعر إلى تذويب الصورة القرآنية الواردة في الآية الثانية عشرة من سورة الحجرات، والتي تصور الذي يغتاب آخر، بأنه يأكل لحم أخيه ميتاً: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه".
وقد عرف موروثنا الشعري القديم الاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف وكان الشاعر. إما أن يضع المقتبس بين معقوفين -وذلك عندما يكون الاقتباس نصياً، أي -خطياً- أو بدمجه دون علامة تنصيص، عندما يكون التعالق النصي من النوع التصويري، كقول المتنبي:
وجرم جره سفهاء قوم
وحل بغير جارمه العذاب
"وكأنه اقتبسه من قوله تعالى :"أتهلكنا بما فعله السفهاء منا)(48).
والتناص بنوعيه الخطي والتصويري سائدان طوال حقب التأريخ، إلا أن نقاداً مثل باختين واريك أو رباخ، يرون أن عصوراً معينة شهدت اختلاط الأساليب، وإدماج خطاب الآخر في خطاب المؤلف، بصورته الخطية بينما شهدت عصور أخرى هيمنة النوع التصويري في إدماج المؤلف لخطاب الآخر في خطابه، ويبدو من تصنيفات فولشينوف ومن المراحل الأربعة التي ميز فيها انتشار هذين النوعين، أن العصور التي تهيمن فيها عقائد سلطوية متصلبة يشيع فيها النمط (الخطي) من التعالق النصي وتداخل الأساليب. بينما تتميز العصور التي تسودها النزعات الفردية (النسبوية) بهيمنة النوع التصويري، كما هو الأمر في عصرنا الراهن الذي عرف "بتحلل السياق الخاص بالمؤلف"(49).
(4)
في كتابه "الخطاب الروائي" يعود باختين لدراسة الحوارية أو التناص بمعناه الواسع ويميز ثلاثة أنماط من التداخلات النصية في الخطاب الأدبي، وهي:
1-التهجين.
2-تعالق اللغات القائم على الحوار.
3-الحوارات الخالصة.