في تحليله للعنوان، يجرد الناقد كلمة (السوداء) التي توصف بها المملكة، من دلالالتها ويقطعها عن أية مرجعية، فعن طريق ثنائية(حضور/غياب)، "يصبح السواد بعلاقة غيابه بياضاً، وليس سواداً، كما تشير إليه العلاقة المأساوية للحضور"(26)، ويعزز الناقد قوله هذا بأن استدعاء هذا الغياب لا يتم ميكانيكياً بل بفعل محفزات تعمل في خلايا النص، يكتشف فيما بعد أنها كامنة في الماء والسطوح الهشة، أو فيما أسماه الناقد بـ "الهش" الذي تنتهي إليه حيوات السرد في قصص، المملكة.
يقوم الناقد بقراءة عمودية ذكية ومثقفة للنص كما فعل شتراوس في قراءاته لأسطورة أوديب، ويضعها في حزم عمودية متجاوزاً بذلك قراءات أفقية هشة وسريعة سابقة عليه، لأنه بدلاً من العثور على المعنى الأعمق- كما دعا بارت وشتراوس نفسهما -يعمد إلى تشغيل آلية الأرجاء- فسرد المملكة يقود إلى نتيجة مفادها، تطابق السرد ومكوناته مع المرجعيات الخارجية -"حيث ترتد المرجعيات الشخصية والفضائية إلى الواقع، ففضاء المملكة يشكله الحدث اليومي للنزل والحارات وغرف الإيجار، والأمكنة فيها جاهزة للعيان، النجف والبصرة والميناء والسماوة والناصرية ومحطة سكك بغداد"(26). وكلها أماكن تأريخية واقعية غير الناقد الذي يبصر في كل هذا أنظمة رمزية دالة ومجسدة للواقع يرجئ المعنى قائلاً، غير أن هذه ليست سوى معان جانبية، والضغط على الغشاء الأسود وحده هو الذي يجعلنا باتجاه المركز في قعر القاع"(27).
ويتضافر على هذا الإرجاء ما أسماه الناقد بـ "الانتماء الأسطوري لزمن السرد"، حيث الزمن التأريخي لا يلبث في قصص المملكة، أن يتحول مع بداية كل قصة إلى زمن أسطوري، مسجلاً درجة الصفر في الزمن، والهش الذي يجده الناقد ماثلاً في (بنية الماء وبنية الخشب).