وبالرغم من أن النقد البنيوي أو الألسني، لم يطرق باب النقد العربي الحديث، إلا في النصف الثاني من السبعينات،(10) فإن معرفة الناقد العربي بهذا الاتجاه في النقد، ومحاولته لاستثمارها في النقد التطبيقي، ترجع إلى أواسط الأربعينات، فقد وردت أول إشارة لهذا المنهج في النقد في كتاب محمد مندور "في الميزان الجديد"(11)، وفي معرض حديثه عن نظرية "عبد القاهر الجرجاني" في النظم، وهو يرد الأستاذ محمد خلف الله في دعواه لاستخدام علم النفس في دراسة الأدب، حين قال: "الأدب فن لغوي كما قلت، فمنهجه هو المنهج الفقهي الفني، كما فهمه عبد القاهر الجرجاني، وطبقه في دلائل الإعجاز، ثم أردف مشيراً إلى أصول هذا المنهج في أوروبا، إذ قال: "منهج عبد القاهر يستند إلى نظرية في اللغة، أرى فيها ويرى معي كل من يمعن النظر، أنها تماشي ما وصل إليه علم اللسان الحديث من آراء، ونقطة البدء نجدها في آخر "دلائل الإعجاز" حيث يقرر المؤلف مايقرر علماء اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ، بل مجموعة من العلاقات..."(12)، ثم يشير مندور إلى أن الجرجاني يلحق "بأكبر مدرسة حديثة في تحليل اللغة، أعني مدرسة العالم السويسري أثبت، رأس علم اللسان الحديث، فرديناند دي سوسير.. ثم اللغوي الفرنسي الذائع الصيت انتوان مييه"(13)، وغفر الله لمندور زلته حين جعل الجرجاني لاحقاً لا سابقاً.
وقد انطلق معظم الذين تبنوا المنهج البنيوي فيما بعد، من النقطة نفسها التي انطلق فيها مندور، وهي وجود مثل هذا المفهوم للغة والأدب في تراثنا العربي القديم، ولاسيما في نظرية الجرجاني للنظم وضرورة التخلي في دراسة الأدب عن العلوم الإنسانية والاقتصار على علوم اللغة والأدب فيها.