والكاتب هو أيضاً يستخدم الرؤيتين الموضوعية والذاتية معاً في كشف وتصوير شخصياته، فالراوي في معظم فصول الرواية هو (المنوع) باستثناء الفصول الخاصة (بكريم) التي تقدمها فيها الأحداث من وجهة نظره وتروى بضمير المتكلم، على حين يتضافر الأسلوبان في تقديم وتصوير شخصية(منيرة) التي تبدأ في الفصل التاسع من الرواية، رواية الأحداث رواية ذاتية وبضمير المتكلم، حتى إذا دنا سرد الأحداث من حادث السفاح لجأ الكاتب- وبلغة سينمية- إلى موضعة الأحداث، وتحول ضمير الحاضر إلى الغائب (والأنا) القائل إلى (هو) الرائي ليتحول القارئ بدوره من (السماع) إلى الرؤية البصرية للأحداث.
إن المعنى الكامن وراء موضعة الأحداث، هو عجز الشخصية، بفعل التابو الاجتماعي، والتحريمات الأخلاقية الاجتماعية، ولاسيما بين الطبقات الوسطى(41) عن الحديث عن أمر كهذا، ومن جهة أخرى، تجعل هذه الموضعة القارئ يرى الأحداث بشكل أفضل. وتذكرنا هذه الالتفاتة الفنية من قبل الكاتب بنجيب محفوظ في الثلاثية، واستخدامه لأدواته التعبيرية بشكل يتناسب وينسجم مع الخصائص الاجتماعية والسيكولوجية للشخصية إذ لم يستخدم الكاتب المونولوج في كشف شخصية أمينة من الداخل وتصوير عالمها الباطني إلا بعد وفاة زوجها أحمد عبد الجواد.
إن الرواية كناية عن عمل فكري في المرتبة الأولى، وهي في المرتبة الثانية، صياغة جمالية لهذا العمل الفكري، ومعطيات الواقع هي التي تقترح نوعية هذا العمل وصياغته الجمالية. والرواية الدرامية هي رؤية في الحياة، وهي رؤية (للفرد في الزمان) كما يقرر ادوين موير، وقيم هذه الرواية، قيم فردية، على عكس الرواية الاجتماعية التي تقوم على قيم اجتماعية، على رؤية (الفرد في مجتمع) فما الذي يجعل الرؤية الدرامية للحياة تتقدم وتصبح في مركز الصورة على حين تتراجع الرؤية الاجتماعية إلى خلفية هذه الصورة؟