وتختلف "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي التي تصور أربعة أجيال(40) من أسرة بغدادية عن كل الأعمال التي ناقشناها، في أنها تطمح إلى أن تكون رواية كلاسيكية، رغم أن أحداثها لا تبتعد كثيراً عن الدار، بحيث تكون مشهداً شاملاً للمجتمع العراقي في المرحلة التي تقع فيها الأحداث، ورغم استخدام الكاتب للكلام) لا (اللغة) في حوارها.
وفضلاً عما تحفل به الرواية من نزعة تسجيلية وطبيعية، فإن معظم شخصيات الرواية هي شخصيات سلبية مهزومة، تواجه الواقع بسلوك مريض، كما هو الأمر مع شخصيتي (كريم) الذي تشل إرادة الحياة والعمل فيه رؤيته لصديقه (فؤاد) وهو يموت تحت عجلات مركبة، وحسني الذي يتخلى عن زوجته وابنتيه ويفصل من عمله فيبحث عن عمل في بلد غير بلده، ثم يعود إلى بلده، ليسقط في مستنقع العدمية ويغرق في السكر والإدمان عليه. وفي نفس الوقت تقتصر حيوات النسوة العجائز في الطابق الأعلى من الدار على النوم، والطعام، وإصدار نداءات الجوع بشكل دائم، بحيث تذكرنا حياتهن الوضيعة هذه بتلك الحيوات الوضيعة في (جحيم) دانتي، ورغم أن شخصية (مدحت) هي الشخصية التي تأسر القارئ، لأنها الشخصية الأكثر إيجابية، إلا أن منطق الشخصية وفلسفتها البراغماتية، تحد إلى حد كبير من إيجابيتها وفاعليتها. ولا تتأتى سلبية كريم و(حسين) وسلوكهما المرضي، نتيجة لعوامل قاهرة، تدفع القارئ إلى التعاطف معهما، بل تغرق الشخصيتان في سلوكهما المرضي هذا بفعل صدمة نفسية ناجمة عن (المصادفة). وهي في الحالتين (مصادفة) لا تنبع من الضرورة، مما جعل الشخصيتين تبدوان زائدتين وسلوكهما غير مبرر وأحاديثهما الكثيرة وإن ارتدت رداءً فلسفياً- باعثة على الضجر.