ويطلق الكاتب على هذا الأسلوب الفني في بناء الرواية مصطلح "المرايا" إذ يتساءل د.جواد حسني عن شخصيات الرواية وهي تروي الأحداث قائلاً: "عمن هم في الحقيقة يتحدثون؟ عن رجل شغل في وقت ما عواطفهم وأذهانهم أم عن أنفسهم، عن أوهامهم وإحباطاتهم وإشكالات حياتهم؟ هل هم المرآة وهو الوجه الذي يطل من أعماقها، أم أنه هو المرآة ووجوههم تتصاعد من أعماقها كما ربما هم أنفسهم لا يعرفونها" وهكذا يتاح لشخصيات الرواية أن تكشف نفسها للقارئ، وهي تتحدث عن وليد على حين نرى وليداً من خلال وعيها.
ولابد من الإشارة -وقد أشرنا إلى تأثير موسم الهجرة إلى الشمال على رواية البحث عن وليد مسعود- إلى الفروق الفنية بين العملين، إذ ينتصر في الأولى الفن والصدق الفني على الأيديولوجية في تصوير الواقع، على حين تنتصر الأيديولوجية على الفن في رواية جبرا، فنرجسية الكاتب وانحيازه الأيديولوجي، وتعاطفه الشديد مع بعض الشخصيات وحرمانه لبعض شخصياته الأخرى من هذا التعاطف ومحاولة لتصويرها بأسلوب تهكمي ساخر واعتماده في كشف وتصوير شخصياته على الحوار والمناقشات الطويلة بين شخصياته، جعل من القاص قاص السماع لا الرؤية، وجعل من الرواية بناءً فنياً جميلاً، لكن بلا مضمون يرتقي إلى مستوى هذا البناء. لقد حرم الكاتب شخصياته "من أن تقول أي شيء يفضح خفاياها ومؤكد أن المؤلف لو لم ينقذ أحاديثهم تلك بسرده الطلي الرشيق، بتفجير بعض المواقف الدرامية... بتمرسه على نحت الصورة الروائية والأداء الروائي البارع، لما بقي لنا سوى أن "نتفرج" عليهم غير متعاطفين ماداموا لا يظهرون لنا بكامل تجربتهم التاريخية".(39).