وليست الشخصيات وحدها هي التي تروي عن مصطفى سعيد، بل تسهم في رواية الأحداث والرسائل كرسائل مسز روبنسن إلى الراوي، والوثائق التي وجدت في مكتبه وبضمنها جوازه ومذكراته التي بدأ بكتابتها، ومؤلفاته العديدة،ـ كل ذلك يسهم في أن يكشف شخصية ثرية وفنية كشخصية مصطفى سعيد، شخصية في غناها وثرائها وفي تعدد أبعادها تبدو وكأنها حلم وليس حقيقة، بحيث أن الراوي نفسه تخطر له أحياناً فكرة مزعجة مفادها:"أن مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقاً وإنه فعلاً أكذوبة أو طيف، أو حلم، أو كابوس ألم بأهل القرية... ذات ليلة داكنة خانقة، ولما فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه"(30).
وليس السرد وحده هو الذي يسهم في "تشويش" صورة مصطفى سعيد بل ويتضافر ترتيب الأحداث في الرواية، معه، ليخلق هذه الصورة المشوشة والمتناقضة كما تبدو للوهلة الأولى، ذلك أن أحداث الرواية في بعض أجزائها لا تنجم عن قانون السببية أو العلة والمعلول، أي أنها ليست سبباً ونتيجة بشكل مباشر كما هو الأمر في (الحبكة) ولكن عن سببية سيكولوجية وعن خاصية في الطباع، فنحن لا نجد تفسيراً واضحاً لغياب عاطفتي البنوة والأمومة بين سعيد وأمه، ولا نعرف دافعاً لذلك الاندفاع نحو المأساة لدى سعيد:"وما أكثر ما سألت نفسي ما الذي يربطني بها، لماذا لا أتركها وأنجو بنفسي؟ ولكنني كنتُ أعلم أن لا حيلة لي، وأن لا مفر من وقوع المأساة.(31)
إن الوظيفة التي يؤديها مثل هذا الأسلوب في السرد، كامنة في كلمات الراوي بصدد زميله: "إذ تبدو له الأشياء في لحظة غير حقيقية ويبدو وكل شيء محتملاً" إن الحقيقة في مثل هذه الرواية ذاتية متعددة ومتباينة الوجوه، بتعدد وتباين طرق النظر إليها.