ولعل أحد أسباب جمال السرد في هذه الرواية، وما يحققه من تشويق، ناجم عن أن الراوي لا يروي الأحداث دفعة واحدة من البداية إلى النهاية، بل يعمد إلى تقطيع هذه الأحداث إلى نتف تظهر من خلال المنلوج والتداعي. فنحن في الفصل الأول منها نتعرف على الراوي وعلى مصطفى سعيد وعلى بعض الشخصيات الرئيسة الأخرى، وفي الفصل الثاني يروي (مصطفى سعيد) مأساته للراوي، ولا يظهر مصطفى سعيد، بعد ذلك إلا من خلال وعي الراوي وهو يتابع سرد أحداث القصة. إن المؤلف لا يضيء نقطة من الأحداث، حتى يتركها إلى غيرها: "فنصبح مع المؤلف كأننا نسير في سرداب مظلم يضيء مصباحه اليدوي في أي مكان شاء فنرى قطعة من الأحداث، ثم يعاودنا الظلام والضياع بالنسبة لهذه القطعة، لأنه يحلو له أن يضيء غيرها، فإذا أضفنا أنه بدأ بنا من آخر السرداب، ثم بدأ بداية أخرى من وسطه، ثم عاد إلى البداية، ثم إلى الوسط، أدركنا مدى التشويق الكامن في طريقة السرد".(25).
وينشأ التكافؤ السردي، وما يترتب عليه من (تشويش) عن طريق إسهام معظم شخصيات الراوية في الحديث عن مصطفى سعيد أحاديث متضاربة يصبح معها مصطفى سعيد أكذوبة وحقيقة، واقعاً وأسطورة في آن واحد، فالرواي لا يعرف مصطفى سعيد من خلال روايته هو لأحداث مأساته، ولا من خلال جده ومن خلال الفلاح محجوب، بل يقابل بعد موت مصطفى شخصيات عديدة، تروي عنه كل من زاويتها الخاصة.