إلا أن محاولة محفوظ هذه لم تفلح في أن تحقق النجاح إذ جاءت وكأنها أربع قصص مستقلة يجمعها مكان واحد وتتشابك في بعض أحداثها، مما دفع بعض النقاد إلى القول بأن شكل الرواية كان مجرد شكل خارجي فحسب، يحاول أن يصوغ أفكارها الجوهرية التي تتمثل أساساً في التوازي والتصادم... بين الواقع الخارجي، والوجدان الداخلي للنفس البشرية.(24).
وجدير بنا ونحن نتحدث عن مثل هذا الأسلوب، أن نذكر محاولة غائب طعمة فرمان في روايته "خمسة أصوات" التي جاءت شبيهة بميرامار بعض الشيء واختلفت عنها في أشياء كثيرة. فالرواي في خمسة أصوات هو "المتنوع" والرؤية موضوعية إلا أن المؤلف سمى فصول روايته بأسماء أبطالها، وأفرد لكل شخصية أكثر من فصل مما جعل الرواية تحقق الالتحام في فصولها، على حين تخفق في أن تقدم أو تضيف جديداً إلى الرواية العربية. والعلة في ذلك في رأينا أن أحداث خمسة أصوات تقع قبل التغير لابعده كما في ميرامار، وأن شخصياتها جميعاً تنتمي إلى شريحة اجتماعية واحدة، وتتجانس سياسياً وأيديولوجياً، ولا تختلف إلا في بعض الأمور الخاصة والذاتية، وفي مجتمع تتحقق فيه الوحدة لا الانقسام، وهو على وشك تحقيق التغيير، تصبح الرؤية الموضوعية لا الرؤية الذاتية، هي الرؤية المناسبة للأحداث.
على أن الرواية التي حققت إضافة كبيرة في (أسلوبها السردي)، وتركت أثرها الكبير في الرواية العربية، هي رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" وهي رواية درامية تسلك طريق الرواية الذاتية، إذ أن الراوي هوأحد شخصياتها بل هو الشخصية الثانية في الرتبة الروائية بعد شخصية (مصطفى سعيد)، بطلها.