ولعل الكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ هو من أوائل من ابتكر هذا الأسلوب الجديد في روايته (ميرمار) حيث يلتقي في بنسيون سيدة إغريقية الوفدي السابق (عامر وجدي) والإقطاعي الذي وضعت أمواله تحت الحراسة "طلبة مرزوق" والشاب الذي ينحدر من أسرة ارستقراطية ويحاول أن يوظف بضعة الأفدنة من الأرض التي بقيت له بعد الثورة، في مشروع جديدة (حسني علام) والثوري المرتد والخائن لرفاقه (منصور باهي)، عضو الاتحاد الاشتراكي (سرحان البحيري) الذي استطاع بانتهازيته أن يتسلق المراتب الحزبية والوظيفية، يلتقي كل هؤلاء ويفترقون في صراعهم مع وحول (زهرة) الفلاحة خادم البنسيون، وعلى حين يتفرد عامر وجدي الوفدي القديم برواية الفصل الأول والأخير من الرواية ويستبعد طلبة مرزوق، الإقطاعي الذي يرى أن الثورة أخذت أمواله فئة اجتماعية معينة وأخذت حرية الجميع وأن أمريكا هي البديل للنظام، من رواية الأحداث، يروي كل من حسني علام وسرحان البحيري ومنصور باهي فصلاً من فصول الرواية. مما يتيح لنا أن نرى الأحداث من منظورات وزوايا رؤية متعددة.
ولعل بناء الرواية على هذا الشكل يسهم في إبراز المضمون الذي أراد أن يقوله الكاتب، إذ أن استبعاد مرزوق من الرواية يعود إلى انتمائه إلى مجتمع ماقبل الثورة الذي سقط سياسياً واقتصادياً وايديولوجياً على حين جاء استبعاد زهرة من رواية الأحداث لكونها رمزاً وليس حقيقة،(23)، ولعل الكاتب كنى بها عن مصر الفلاحة، كما أن انفراد عامر وجدي برواية الفصل الأول والأخير ينبئ بتعاطف الكاتب مع الوفد أكثر من تعاطفه مع أي تيار سياسي آخر.
وفي الوقت الذي نرى فيه الأحداث من وجهة نظر ذاتية في كل فصل، إذ نراها من خلال عيني الراوي تصبح وجهة النظر وزاوية الرؤية الذاتية هي بمثابة رواية موضوعية بالنسبة للشخصيات الأخرى في الرواية، وبهذا يتاح للقارئ أن يرى الأحداث رؤية موضوعية عن طريق رؤيته لها بطرق متعددة ومن جوانبها المختلفة.